أصول الفقه مع تعليق زارعي السبزواري - المظفر، الشيخ محمد رضا - الصفحة ٥٣٧ - منصوص العلّة
بظاهر العموم، و ليس هو من القياس في شيء، ليكون القول بحجّيّة التعليل استثناء من عمومات النهي عن القياس. مثال ذلك قوله (عليه السّلام)- في صحيحة ابن بزيع-: «ماء البئر واسع لا يفسده شيء ...؛ لأنّ له مادّة»، (١) فإنّ المفهوم منه- أي الظاهر منه- أنّ كلّ ماء له مادّة واسع لا يفسده شيء، و أمّا: ماء البئر فإنّما هو أحد مصاديق الموضوع العامّ للقاعدة، فيشمل الموضوع بعمومه كلّا من ماء البئر، و ماء الحمّام، و ماء العيون، و ماء حنفيّة الإسالة (٢) ... و غيرها، فالأخذ بهذا الحكم و تطبيقه على هذه الأمور غير ماء البئر ليس أخذا بالقياس، بل هو أخذ بظهور العموم، و الظهور حجّة.
هذا، و في عين الوقت لمّا كنّا لا نستظهر من هذه الرواية شمول العلّة (لأنّ له مادّة) لكلّ ما له مادّة و إن لم يكن ماء مطلقا، فإنّ الحكم- و هو الاعتصام من التنجّس- لا نعدّيه إلى الماء المضاف الذي له مادّة إلّا بالقياس، و هو ليس بحجّة.
و من هنا يتّضح الفرق بين الأخذ بالعموم في منصوص العلّة، و الأخذ بالقياس، فلا بدّ من التفرقة بينهما في كلّ علّة منصوصة، لئلّا يقع الخلط بينهما. و من أجل هذا الخلط بينهما يكثر العثار (٣) في تعرّف الموضوع للحكم.
و بهذا البيان و التفريق بين الصورتين يمكن التوفيق بين المتنازعين في حجّيّة منصوص العلّة، فمن يراه حجّة يراه فيما إذا كان له ظهور في عموم العلّة، و من لا يرى حجّيّته يراه فيما إذا كان الأخذ به أخذا به على نهج القياس.
و الخلاصة أنّ المدار في منصوص العلّة أن يكون له ظهور في عموم الموضوع لغير ما له الحكم- أي المعلّل الأصل-؛ فإنّه عموم من جملة الظواهر التي هي حجّة. و لا بدّ حينئذ أن تكون حجّيّته على مقدار ما له من الظهور في العموم، فإذا أردنا تعديته إلى غير ما يشمله ظهور العموم، فإنّ التعدية لا محالة تكون من نوع الحمل و القياس الذي لا دليل
[١]. وسائل الشيعة ١: ١٢٦- ١٢٧، الباب ١٤ من أبواب الماء المطلق، الحديثان ٦ و ٧.
[٢]. الحنفيّة: أنبوبة ذات لولب تزجّ في ثقب من الحوض لاستفراغ الماء منه عند الحاجة. و بالفارسيّة:
شير آب انبار.
[٣]. العثار: المهلكة، السقوط.