أصول الفقه مع تعليق زارعي السبزواري - المظفر، الشيخ محمد رضا - الصفحة ٥٢٤ - أ هل القياس يوجب العلم؟
البرهاني الذي يفيد اليقين.
و لكنّ الشأن كلّ الشأن في حصول الطريق لنا إلى العلم بأنّ الجامع علّة تامّة للحكم الشرعيّ. و قد سبق (١) أنّ ملاكات الأحكام لا مسرح للعقول (٢)، أو لا مجال للنظر العقليّ فيها، فلا تعلم إلّا من طريق السماع من مبلّغ الأحكام الذي نصبه اللّه (تعالى) مبلّغا، و هاديا.
و الغرض من «كون الملاكات لا مسرح للعقول فيها» أنّ أصل تعليل الحكم بالملاك لا يعرف إلّا من طريق السماع؛ لأنّه أمر توقيفيّ.
أمّا: نفس وجود الملاك في ذاته فقد يعرف من طريق الحسّ، و نحوه، لكن لا بما هو علّة و ملاك، كالإسكار؛ فإنّ كونه علّة للتحريم في الخمر لا يمكن معرفته من غير طريق التبليغ بالأدلّة السمعيّة.
أمّا: وجود الإسكار في الخمر، و غيره من المسكرات، فأمر يعرف بالوجدان، و لكن لا ربط لذلك بمعرفة كونه هو الملاك في التحريم؛ فإنّه ليس هذا من الوجدانيّات.
و على كلّ حال، فإنّ السرّ في أنّ الأحكام و ملاكاتها لا مسرح للعقول في معرفتها واضح؛ لأنّها أمور توقيفيّة من وضع الشارع، كاللغات، و العلامات، و الإشارات التي لا تعرف إلّا من قبل واضعيها، و لا تدرك بالنظر العقليّ إلّا من طريق الملازمات العقليّة القطعيّة التي تكلّمنا عنها فيما تقدّم في بحث الملازمات العقليّة في المقصد الثاني، (٣) و في دليل العقل من هذا الجزء، (٤) و القياس لا يشكّل ملازمة عقليّة بين حكم المقيس عليه، و حكم المقيس.
نعم، إذا ورد نصّ من قبل الشارع في بيان علّة الحكم في المقيس عليه، فإنّه يصحّ الاكتفاء به في تعدية الحكم إلى المقيس بشرطين: الأوّل: أن نعلم بأنّ العلّة المنصوصة
[١]. راجع الصفحة: ٤٧٨- ٤٨٠ و ٤٨٣.
[٢]. المسرح: المرعى الذي تسرح فيه الدوابّ للرعي. لسان العرب ٢: ٤٧٩، و المراد منه هنا أنّه لا مجال للعقول في كشف ملاكات الأحكام، و لا تنالها ابتداء من دون السماع من مبلّغ الأحكام.
[٣]. المقصد الثاني: ٢٤٧.
[٤]. راجع الصفحة: ٤٧٨- ٤٨٠.