أصول الفقه مع تعليق زارعي السبزواري - المظفر، الشيخ محمد رضا - الصفحة ٥٢٣ - أ هل القياس يوجب العلم؟
٣. حجّيّة القياس
إنّ حجّيّة كلّ أمارة تناط بالعلم- و قد سبق بيان ذلك في هذا الجزء أكثر من مرّة (١)-، فالقياس- كباقي الأمارات- لا يكون حجّة إلّا في صورتين، لا ثالثة لهما:
١. أن يكون بنفسه موجبا للعلم بالحكم الشرعيّ. (٢)
٢. أن يقوم دليل قاطع على حجّيّته، إذا لم يكن بنفسه موجبا للعلم. (٣)
و حينئذ لا بدّ من بحث موضوع حجّيّة القياس عن الناحيتين، فنقول:
أ. هل القياس يوجب العلم؟
إنّ القياس نوع من «التمثيل» المصطلح عليه في المنطق. (٤) و قلنا هناك: «إنّ التمثيل من الأدلّة التي لا تفيد إلّا الاحتمال؛ لأنّه لا يلزم من تشابه شيئين في أمر، بل في عدّة أمور أن يتشابها من جميع الوجوه و الخصوصيّات». (٥)
نعم، إذا قويت وجوه الشبه بين الأصل و الفرع، و تعدّدت، يقوى في النفس الاحتمال، حتى يكون ظنّا، و يقرب من اليقين. و القيافة (٦) من هذا الباب. و لكن كلّ ذلك لا يغني من الحقّ شيئا.
غير أنّه إذا علمنا- بطريق من الطرق- أنّ جهة المشابهة علّة تامّة لثبوت الحكم في الأصل عند الشارع، ثمّ علمنا أيضا بأنّ هذه العلّة التامّة موجودة بخصوصيّاتها في الفرع؛ فإنّه لا محالة يحصل لنا- على نحو اليقين- استنباط أنّ مثل هذا الحكم ثابت في الفرع، كثبوته في الأصل؛ لاستحالة تخلّف المعلول عن علّته التامّة. و يكون من القياس المنطقي
[١]. راجع الصفحات: ٣٧٦- ٣٧٩ و ٣٨٦- ٣٨٧.
[٢]. كالقطع.
[٣]. كخبر الواحد، و الظواهر، و غيرهما من الظنون الخاصّة.
[٤]. و هو أن ينتقل الذهن من حكم أحد الشيئين إلى الحكم على الآخر؛ لجهة مشتركة بينهما.
[٥]. المنطق (للمؤلّف) ٢: ٢٦٧.
[٦]. القيافة مصدر، و القائف: من يتتبّع الآثار، و يعرفها، و يعرف شبه الرجل بأخيه و أبيه. لسان العرب ٩: ٢٩٣.