أصول الفقه مع تعليق زارعي السبزواري - المظفر، الشيخ محمد رضا - الصفحة ٥٢٠ - تمهيد
شعواء لا هوادة (١) فيها على أهل الرأي و قياسهم ما وجدوا للكلام متّسعا. و مناظرات الإمام الصادق (عليه السّلام) معهم معروفة، لا سيّما مع أبي حنيفة، و قد رواها حتى أهل السنّة، إذ قال له- فيما رواه ابن حزم-: «اتّق اللّه و لا تقس؛ فإنّا نقف غدا بين يدي اللّه، فنقول: قال اللّه، و قال رسوله، و تقول أنت و أصحابك: سمعنا و رأينا». (٢)
و الذي يبدو أنّ المخالفين لآل البيت (عليهم السّلام)- الذين سلكوا غير طريقهم، و لم يعجبهم أن يستقوا من منبع علومهم- أعوزهم العلم بأحكام اللّه، و ما جاء به الرسول (صلّى اللّه عليه و آله)، فالتجئوا إلى أن يصطنعوا (٣) الرأي و الاجتهادات الاستحسانيّة للفتيا و القضاء بين الناس، بل حكموا الرأي و الاجتهاد حتى فيما يخالف النصّ، أو جعلوا ذلك عذرا مبرّرا لمخالفة النصّ، كما في قصّة تبرير الخليفة الأوّل لفعلة خالد بن الوليد في قتل مالك بن نويرة، و قد خلا بزوجته ليلة قتله، فقال عنه: «إنّه اجتهد فأخطأ!!؟»، و ذلك لمّا أراد الخليفة عمر بن الخطّاب أن يقاد به، و يقام عليه الحدّ. (٤)
و كان الرأي و القياس غير واضح المعالم عند من كان يأخذ به من الصحابة و التابعين، حتى بدأ البحث فيه لتركيزه و توسعة الأخذ به في القرن الثاني على يد أبي حنيفة و أصحابه. (٥) ثمّ بعد أن أخذت الدولة العبّاسيّة تساند أهل القياس، و بعد ظهور النقّاد له، انبرى جماعة من علمائهم لتحديد معالمه، و توسيع أبحاثه، و وضع القيود، و الاستدراكات
[١]. شنّوا أي: صبّوا.
شعواء أي: متفرّقة ممتدّة.
الهوادة: ما يرجي به الصلاح بين القوم. و المحاباة.
فمعنى العبارة: بل صبّوا على أهل الرأي و قياسهم مقاتلة متفرّقة ممتدّة لم يكن فيها ما يرجى به الصلاح.
صبّوا عليهم في هذه المقاتلة ما وجدوا للكلام متّسعا.
[٢]. ملخّص إبطال القياس: ٧١.
[٣]. أي: أن يختاروا.
[٤]. راجع الغدير ٧: ١٥٨.
[٥]. قال ابن حزم في كتاب «ملخّص إبطال القياس: ٥»: «ثمّ حدث القياس في القرن الثاني». و قال في كتابه «الإحكام عن أصول الأحكام ٧: ١٧٧»: «إنّه بدعة حدثت في القرن الثاني، ثمّ فشا و ظهر في القرن الثالث».