أصول الفقه مع تعليق زارعي السبزواري - المظفر، الشيخ محمد رضا - الصفحة ٤٠٦ - ١٥ الحجّيّة أمر اعتباريّ أو انتزاعيّ؟
الملكيّة، و الزوجيّة، و نحوها من الأحكام الوضعيّة. و شأنها في ذلك شأن الأحكام التكليفيّة المسلّم فيها أنّها من الاعتباريّات الشرعيّة.
توضيح ذلك أنّ حقيقة الجعل هو الإيجاد. و الإيجاد على نحوين:
١. ما يراد منه إيجاد الشيء حقيقة في الخارج. و يسمّى: «الجعل التكوينيّ» أو «الخلق».
٢. ما يراد منه إيجاد الشيء اعتبارا و تنزيلا، و ذلك بتنزيله منزلة الشيء الخارجيّ الواقعيّ من جهة ترتيب أثر من آثاره، أو لخصوصيّة فيه من خصوصيّات الأمر الواقعيّ. و يسمّى «الجعل الاعتباريّ»، أو «التنزيليّ»، و ليس له واقع إلّا الاعتبار و التنزيل، و إن كان نفس الاعتبار أمرا واقعيّا حقيقيّا، لا اعتباريّا، مثلا حينما يقال: «زيد أسد»، فإنّ الأسد مطابقه الحقيقيّ هو الحيوان المفترس المخصوص، و هو- طبعا- مجعول و مخلوق بالجعل و الخلق التكوينيّ. و لكنّ العرف يعتبرون الشجاع أسدا، فزيد أسد اعتبارا و تنزيلا من قبل العرف من جهة ما فيه من خصوصيّة الشجاعة كالأسد الحقيقيّ.
و من هذا المثال يظهر كيف أنّ الأحكام التكليفيّة اعتبارات شرعيّة؛ لأنّ الآمر حينما يريد من شخص أن يفعل فعلا ما فبدلا عن أن يدفعه بيده- مثلا- ليحرّكه نحو العمل ينشئ الأمر بداعي جعل الداعي في دخيلة (١) نفس المأمور. فيكون هذا الإنشاء للآمر دفعا و تحريكا اعتباريّا؛ تنزيلا له منزلة الدفع الخارجيّ باليد مثلا. و كذلك النهي زجر اعتباريّ؛ تنزيلا له منزلة الردع و الزجر الخارجيّ باليد مثلا.
و كذلك يقال في حجّيّة الأمارة المجعولة؛ فإنّ القطع لمّا كان موصلا إلى الواقع حقيقة، و طريقا بنفسه إليه فالشارع يعتبر الأمارة الظنّيّة طريقا إلى الواقع؛ تنزيلا لها منزلة القطع بالواقع بإلغاء احتمال الخلاف، فتكون الأمارة قطعا اعتباريّا، و طريقا تنزيليّا.
و متى صحّ و أمكن أن تكون الحجّيّة هي المعتبرة أوّلا و بالذات فما الذي يدعو إلى فرضها مجعولة ثانيا و بالعرض، حتى تكون أمرا انتزاعيّا؟! إلّا أن يريدوا من الانتزاعيّ
[١]. أي: باطنه.