أصول الفقه مع تعليق زارعي السبزواري - المظفر، الشيخ محمد رضا - الصفحة ٣٨٢ - ٧ حجّية العلم ذاتيّة
التعبير بوجوب متابعة القطع إلى معنى كون القطع بنفسه طريقا إلى الواقع، و أنّ نفسه نفس انكشاف الواقع، فالجهتان فيه جهة واحدة في الحقيقة.
و هذا هو السرّ في تعليل الشيخ الأعظم الأنصاريّ (رحمه اللّه) لوجوب متابعته بكونه (١) طريقا بذاته، و لم يتعرّض في التعليل لنفس الوجوب. و من أجل هذا ركز البحث كلّه على طريقيّته الذاتيّة.
و يظهر لنا- حينئذ- أنّه لا معنى لأن يقال في تعليل حجّيّته الذاتيّة: «إنّ وجوب متابعته أمر ذاتيّ له».
و إذا اتّضح ما تقدّم وجب علينا توضيح معنى كون القطع طريقا ذاتيّا، و هو كلّ البحث عن حجّيّة القطع، و ما وراءه من الكلام فكلّه فضول، و عليه فنقول:
تقدّم أنّ القطع حقيقته انكشاف الواقع؛ لأنّه حقيقة نوريّة محضة لا غطش (٢) فيها، و لا احتمال للخطإ يرافقها؛ فالعلم نور لذاته [و] نور لغيره، فذاته نفس الانكشاف (٣) لا أنّه شيء له الانكشاف. (٤)
و قد عرفتم في مباحث الفلسفة أنّ الذات أو الذاتيّ يستحيل جعله بالجعل التأليفيّ؛ (٥) لأنّ جعل شيء لشيء إنّما يصحّ أن يفرض فيما يمكن فيه التفكيك بين المجعول و المجعول له. و واضح أنّه يستحيل التفكيك بين الشيء و ذاته- أي بين الشيء و نفسه- و كذا بينه و بين ذاتيّاته. و هذا معنى قولهم المشهور: «الذاتيّ لا يعلّل» (٦) و إنّما المعقول من
[١]. أي القطع. و اختلفت كلمات المتأخّرين في معنى وجوب متابعة القطع، فراجع الحاشية على الرسائل «للمحقّق الخراسانيّ»: ٤؛ نهاية الدراية ٢: ٣١؛ نهاية الأفكار ٣: ٧؛ فوائد الأصول ٣: ٦.
[٢]. الغطش: الظلمة.
[٣]. كما قال به المحقّق النائينيّ في فوائد الأصول ٣: ٦- ٧، و المحقّق الأصفهانيّ في نهاية الدراية ٢: ٣١، و العلّامة العراقيّ في نهاية الأفكار ٣: ٦.
[٤]. كما يظهر من كلام المحقّق الخراسانيّ في كفاية الأصول: ٢٩٧.
[٥]. اعلم أنّ الجعل قسمان:
الأوّل: الجعل البسيط و هو مفاد «كان» التامّة، أي جعل الشيء و إيجاده، كجعل الإنسان.
الثاني: الجعل التأليفيّ و هو مفاد «كان» الناقصة، أي جعل الشيء شيئا، كجعل الإنسان كاتبا.
[٦]. كما قال الحكيم السبزواريّ: «ذاتيّ شيء لم يكن معلّلا». شرح المنظومة (قسم المنطق): ٢٩.