أصول الفقه مع تعليق زارعي السبزواري - المظفر، الشيخ محمد رضا - الصفحة ٣٠٢ - تحرير محلّ النزاع
يلزمه عقلا النهي عن الضدّ من دون أن يكون لزومه بيّنا بالمعنى الأخصّ حتّى يدلّ عليه بالالتزام. فالمراد من الاقتضاء عندهم أعمّ من كلّ ذلك (١).
٣. «النهي»، و يراد به النهي المولويّ من الشارع و إن كان تبعيّا، كوجوب المقدّمة الغيريّ التبعيّ (٢). و النهي معناه المطابقيّ- كما سبق في مبحث النواهي (٣)- هو الزجر و الردع عمّا تعلّق به. و فسّره المتقدّمون بطلب الترك (٤)، و هو تفسير بلازم معناه، و لكنّهم فرضوه كأنّ ذلك هو معناه المطابقيّ، و لذا اعترض بعضهم على ذلك فقال: «إنّ طلب الترك محال، فلا بدّ أن يكون المطلوب الكفّ» (٥). و هكذا تنازعوا في أنّ المطلوب بالنهي الترك أو الكفّ؟
و لا معنى لنزاعهم هذا إلّا إذا كانوا قد فرضوا أنّ معنى النهي هو الطلب، فوقعوا في حيرة في أنّ المطلوب به أيّ شيء هو؟ الترك، أو الكفّ؟
و لو كان المراد من النهي هو طلب الترك- كما ظنّوا- لما كان معنى لنزاعهم في الضدّ العامّ؛ فإنّ النهي عنه معناه- على حسب ظنّهم- طلب ترك ترك المأمور به. و لمّا كان نفي النفي إثباتا فيرجع معنى النهي عن الضدّ العامّ إلى معنى طلب فعل المأمور به، فيكون قولهم:
«الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضدّه العامّ» تبديلا للفظ بلفظ آخر بمعناه، و يكون عبارة أخرى عن القول ب «أنّ الأمر بالشيء يقتضي نفسه». و ما أشدّ سخف مثل هذا البحث!
و لعلّه لأجل هذا التوهّم- أي توهّم أنّ النهي معناه طلب الترك- ذهب بعضهم (٦) إلى عينيّة الأمر بالشيء للنهي عن الضدّ العامّ.
و بعد بيان هذه الأمور الثلاثة في تحرير محلّ النزاع يتّضح موضع النزاع، و كيفيّته أنّ النزاع معناه يكون أنّه إذا تعلّق أمر بشيء هل إنّه لا بدّ أن يتعلّق نهي المولى بضدّه العامّ أو
[١]. و صرّحوا بذلك أيضا في كتبهم. راجع مطارح الأنظار: ١١٧؛ كفاية الأصول ١٦٠؛ فوائد الأصول ١: ٣٠١، المحاضرات ٣: ٨.
[٢]. خلافا للمحقّق القميّ حيث زعم أنّ المراد منه خصوص النهي الأصلي. راجع- قوانين الأصول ١: ١١٤.
[٣]. راجع الصفحة: ١١٦.
[٤]. فسّره به في معالم الدين: ١٠٤، و قوانين الأصول ١: ١٣٥- ١٣٧، و الفصول الغرويّة: ١٢٠.
[٥]. كما ذهب إليه العضديّ في شرحه على مختصر الأصول ١: ١٠٣.
[٦]. و هو صاحب الفصول، فراجع الفصول الغرويّة: ٩٢.