أصول الفقه مع تعليق زارعي السبزواري - المظفر، الشيخ محمد رضا - الصفحة ٢٩٥ - ٩ المقدّمة العباديّة
غيريّ أصلا.
و أمّا الثاني: فلأنّ الحقّ أنّه يكفي في عباديّة الفعل ارتباطه بالمولى، و الإتيان به متقرّبا إليه (تعالى). غاية الأمر أنّ العبادات قد ثبت أنّها توقيفيّة، فما لم يثبت رضا المولى بالفعل، و حسن الانقياد، و قصد وجه اللّه بالفعل لا يصحّ الإتيان بالفعل عبادة، بل يكون تشريعا محرّما. و لا يتوقّف ذلك على تعلّق أمر المولى بنفس الفعل على أن يكون أمرا فعليّا من المولى، و لذا قيل: «يكفي في عباديّة العبادة حسنها الذاتيّ و محبوبيّتها الذّاتيّة للمولى حتّى لو كان هناك مانع من توجّه الأمر الفعليّ بها (١)».
و إذا ثبت ذلك، فنقول في تصحيح عباديّة الطهارات: إنّ فعل المقدّمة بنفسه يعدّ شروعا في امتثال ذي المقدّمة- الذي هو حسب الفرض في المقام عبادة في نفسه مأمور بها- فيكون الإتيان بالمقدّمة بنفسه يعدّ امتثالا للأمر النفسيّ بذي المقدّمة العباديّ. و يكفي في عباديّة الفعل- كما قلنا- ارتباطه بالمولى و الإتيان به متقرّبا إليه (تعالى) مع عدم ما يمنع من التعبّد به. و لا شكّ في أنّ قصد الشروع بامتثال الأمر النفسيّ بفعل مقدّماته قاصدا بها التوصّل إلى الواجب النفسيّ العباديّ يعدّ طاعة و انقيادا للمولى (٢).
و بهذا تصحّح عباديّة المقدّمة، و إن لم نقل بوجوبها الغيريّ، و لا حاجة إلى فرض طاعة الأمر الغيريّ.
و من هنا يصحّ أن تقع كلّ مقدّمة عبادة، و يستحقّ عليها الثواب بهذا الاعتبار، و إن لم تكن في نفسها معتبرا فيها أن تقع على وجه العبادة، كتطهير الثوب- مثلا- مقدّمة للصلاة، أو كالمشي حافيا مقدّمة للحجّ أو الزيارة، غاية الأمر أنّ الفرق بين المقدّمات العباديّة و غيرها أنّ غير العباديّة لا يلزم فيها أن تقع على وجه قربيّ، بخلاف المقدّمات المشروط فيها أن تقع عبادة، كالطهارات الثلاث.
و يؤيّد ذلك ما ورد من الثواب على بعض المقدّمات، و لا حاجة إلى التأويل الذي ذكرناه سابقا في الأمر الثالث- من أنّ الثواب على ذي المقدّمة يوزّع على المقدّمات
[١]. هكذا قال المحقّق الأصفهانيّ في نهاية الدراية ١: ٣٨٣ و ٣٨٥.
[٢]. كما في نهاية الدراية ١: ٣٨٣.