أصول الفقه مع تعليق زارعي السبزواري - المظفر، الشيخ محمد رضا - الصفحة ٢٩٤ - ٩ المقدّمة العباديّة
الغيريّ نفسه أمرا عباديّا، غاية الأمر أنّ عباديّته لم تجئ من أجل نفس كونه أمرا غيريّا، بل من أجل كونه امتدادا لتلك المطلوبيّة النفسيّة و ذلك الرجحان الذاتيّ الذي حصل من ناحية الأمر الاستحبابيّ النفسيّ السابق (١).
و عليه، فينقلب الأمر الغيريّ عباديّا، و لكنّه عباديّ بالعرض لا بالذات حتّى يقال: «إنّ الأمر الغيريّ توصّليّ لا يصلح للعباديّة».
من هنا لا يصحّ الإتيان بالطهارة بقصد الاستحباب بعد دخول الوقت للواجب المشروط بها؛ لأنّ الاستحباب بحدّه قد اندكّ في الأمر الغيريّ، فلم يعد موجودا حتّى يصحّ قصده.
نعم، يبقى أن يقال: إنّ الأمر الغيريّ إنّما يدعو إلى الطهارة الواقعة على وجه العبادة؛ لأنّه حسب الفرض متعلّقه هو الطهارة بصفة العبادة، لا ذات الطهارة، و الأمر لا يدعو إلّا إلى ما تعلّق به، فكيف صحّ أن يؤتى بذات العبادة بداعي امتثال أمرها الغيريّ، و لا أمر غيريّ بذات العبادة؟!
و لكن ندفع هذا الإشكال بأن نقول: إذا كان الوضوء- مثلا- مستحبّا نفسيّا فهو قابل لأن يتقرّب به من المولى، و فعليّة التقرّب تتحقّق بقصد الأمر الغيريّ المندكّ فيه الأمر الاستحبابيّ.
و بعبارة أخرى: قد فرضنا الطهارات عبادات نفسيّة في مرتبة سابقة على الأمر الغيريّ المتعلّق بها، و الأمر الغيريّ إنّما يدعو إلى ذلك، فإذا جاء المكلّف بها بداعي الأمر الغيريّ المندكّ فيه الاستحباب- و المفروض [أنّه] ليس هناك أمر موجود غيره- صحّ التقرّب به، و وقعت عبادة لا محالة، فيتحقّق ما هو شرط الواجب و مقدّمته.
هذا كلّه بناء على ثبوت الأمر الغيريّ بالمقدّمة، و بناء على أنّ مناط عباديّة العبادة هو قصد الأمر المتعلّق بها.
و كلا المبنيين نحن لا نقول به.
أمّا الأوّل: فسيأتي في البحث الآتي الدليل على عدم وجوب مقدّمة الواجب، فلا أمر
[١]. هذا التوجيه يناسب ما ذكره أستاذه المحقّق الأصفهانيّ في نهاية الدراية ١: ٣٨٠- ٣٨١ و ٣٨٣.