أصول الفقه مع تعليق زارعي السبزواري - المظفر، الشيخ محمد رضا - الصفحة ٢٩٣ - ٩ المقدّمة العباديّة
عبادة في نفسه، فليست عباديّتها متأتّية من الأمر الغيريّ حتّى يلزم الإشكال (١).
و لكن هذا الجواب- على حسنه- غير كاف بهذا المقدار من البيان لدفع الشبهة. و سرّ ذلك أنّه لو كان المصحّح لعباديّتها هو الأمر الاستحبابيّ النفسيّ بالخصوص لكان يلزم ألّا تصحّ هذه المقدّمات إلّا إذا جاء بها المكلّف بقصد امتثال الأمر الاستحبابيّ فقط، مع أنّه لا يفتي بذلك أحد، و لا شكّ في أنّها تقع صحيحة لو أتي بها بقصد امتثال أمرها الغيريّ، بل بعضهم اعتبر قصده في صحّتها بعد دخول وقت الواجب المشروط بها.
فنقول إكمالا للجواب: إنّه ليس مقصود المجيب من كون استحبابها النفسيّ مصحّحا لعباديّتها أنّ المأمور به بالأمر الغيريّ هو الطهارة المأتيّ بها بداعي امتثال الأمر الاستحبابيّ. كيف و هذا المجيب قد فرض عدم بقاء الاستحباب بحدّه بعد ورود الأمر الغيريّ (٢)، فكيف يفرض أنّ المأمور به هو المأتيّ به بداعي امتثال الأمر الاستحبابيّ؟! بل مقصود المجيب أنّ الأمر الغيريّ لمّا كان متعلّقه هو الطهارة بما هي عبادة، و لا يمكن أن تكون عباديّتها ناشئة من نفس الأمر الغيريّ بما هو أمر غيريّ، فلا بدّ من فرض عباديّتها لا من جهة الأمر الغيريّ و بفرض سابق عليه، و ليس هو إلّا الأمر الاستحبابيّ النفسيّ المتعلّق بها، و هذا يصحّح عباديّتها قبل فرض تعلّق الأمر الغيريّ بها، و إن كان حين توجّه الأمر الغيريّ لا يبقى ذلك الاستحباب بحدّه و هو جواز الترك، و لكن لا تذهب بذلك عباديّتها؛ لأنّ المناط في عباديّتها ليس جواز الترك كما هو واضح، بل المناط مطلوبيّتها الذاتيّة و رجحانها النفسيّ، و هي باقية بعد تعلّق الأمر الغيريّ. و إذا صحّ تعلّق الأمر الغيريّ بها بما هي عبادة و اندكاك الاستحباب فيه- بمعنى أنّ الأمر الغيريّ يكون استمرارا لتلك المطلوبيّة- فإنّه حينئذ لا يبقى إلّا الأمر الغيريّ صالحا للدعوة إليها، و يكون هذا الأمر
[١]. هذا الجواب ما أفاده المحقّق الخوئيّ في تعليقاته على أجود التقريرات ١: ٢٥٥- ٢٥٦، و المحاضرات ٢: ٤٠١- ٤٠٢.
[٢]. فإنّه قال: «فإنّ الأمر الاستحبابيّ و لو فرض تبدّله بالأمر الوجوبيّ لزوال حدّ الاستحباب بعرض* الوجوب الغيريّ ...». راجع تعليقاته على أجود التقريرات ١: ٢٥٦.
(*) العروض استعمال لا تساعده اللغة.