أصول الفقه مع تعليق زارعي السبزواري - المظفر، الشيخ محمد رضا - الصفحة ٢٤٠ - ٦ أدلّة الطرفين
الثاني: أنّ القضيّة التأديبيّة لا واقع لها إلّا تطابق آراء العقلاء، و الأوّليّات لها واقع خارجيّ.
الثالث: أنّ القضيّة التأديبيّة لا يجب أن يحكم بها كلّ عاقل لو خلّي و نفسه، و لم يتأدّب بقبولها و الاعتراف بها، كما قال الشيخ الرئيس على ما نقلناه من عبارته فيما سبق في الأمر الثاني، و ليس كذلك القضيّة الأوّليّة التي يكفي تصوّر طرفيها في الحكم، فإنّه لا بدّ ألّا يشكّ عاقل في الحكم بها لأوّل وهلة.
٢. و من أدلّتهم على إنكار الحسن و القبح العقليّين أن قالوا: إنّه لو كان ذلك عقليّا لما اختلف حسن الأشياء و قبحها باختلاف الوجوه و الاعتبارات، كالصدق؛ إذ يكون مرّة ممدوحا عليه و أخرى مذموما عليه إذا كان فيه ضرر كبير. و كذلك الكذب بالعكس يكون [مرّة] مذموما عليه و [أخرى] ممدوحا عليه إذا كان فيه نفع كبير؛ كالضرب و القيام و القعود و نحوها ممّا يختلف حسنه و قبحه (١).
و الجواب عن هذا الدليل و أشباهه يظهر ممّا ذكرناه من أنّ حسن الأشياء و قبحها على أنحاء ثلاثة، فما كان ذاتيّا لا يقع فيه اختلاف؛ فإنّ العدل بما هو عدل لا يكون قبيحا أبدا، و كذلك الظلم بما هو ظلم لا يكون حسنا أبدا، أي إنّه ما دام عنوان العدل صادقا فهو ممدوح، و ما دام عنوان الظلم صادقا فهو مذموم.
و أمّا: ما كان عرضيّا فإنّه يختلف بالوجوه و الاعتبارات، فمثلا الصدق إن دخل تحت عنوان العدل كان ممدوحا، و إن دخل تحت عنوان الظلم كان قبيحا. و كذلك الكذب و ما ذكر من الأمثلة.
و الخلاصة أنّ العدليّة لا يقولون بأنّ جميع الأشياء لا بدّ أن تتّصف بالحسن أبدا أو بالقبح أبدا، حتّى يلزم ما ذكر من الإشكال.
٣. و قد استدلّ العدليّة على مذهبهم بما خلاصته «أنّه من المعلوم ضرورة حسن الإحسان و قبح الظلم عند كلّ عاقل من غير اعتبار شرع، فإنّ ذلك يدركه حتّى منكر الشرائع» (٢).
[١]. شرح المقاصد ٤: ٢٨٤؛ شرح التجريد للقوشجيّ: ٣٣٩.
[٢]. كشف المراد: ٣٠٣، مفتاح الباب: ١٥٣.