أصول الفقه مع تعليق زارعي السبزواري - المظفر، الشيخ محمد رضا - الصفحة ٢٢٤ - تمهيد
٢. إنّه بعد فرض القول بأنّ للأفعال في حدّ أنفسها حسنا و قبحا، هل يتمكّن العقل من إدراك وجوه الحسن و القبح مستقلّا عن تعليم الشارع و بيانه أو لا؟ و على تقدير تمكّنه، هل للمكلّف أن يأخذ به بدون بيان الشارع و تعليمه أو ليس له ذلك إمّا مطلقا أو في بعض الموارد؟
و هذه المسألة هي إحدى نقط الخلاف المعروفة بين الأصوليّين و جماعة من الأخباريّين، (١) و فيها تفصيل من بعضهم (٢) على ما يأتي (٣). و هي أيضا ليست من مباحث علم الأصول، و لكنّها من المبادئ لمسألتنا الأصوليّة الآتية؛ لأنّه بدون القول بأنّ العقل يدرك وجوه الحسن و القبح لا تتحقّق عندنا صغرى القياس التي تكلّمنا عنها سابقا.
و لا ينبغي أن يخفى عليكم أنّ تحرير هذه المسألة سببه المغالطة التي وقعت لبعضهم، (٤) و إلّا فبعد تحرير المسألة الأولى على وجهها الصحيح- كما سيأتي- لا يبقى مجال لهذا النزاع. فانتظر توضيح ذلك في محلّه القريب. (٥)
٣. إنّه بعد فرض أنّ للأفعال حسنا و قبحا و أنّ العقل يدرك الحسن و القبح، يصحّ أن ننتقل إلى التساؤل عمّا إذا كان العقل يحكم أيضا بالملازمة بين حكمه و حكم الشرع، بمعنى أنّ العقل إذا حكم بحسن شيء أو قبحه هل يلزم عنده عقلا أن يحكم الشارع على طبق حكمه؟
و هذه هي المسألة الأصوليّة المعبّر عنها بمسألة الملازمة التي وقع فيها النزاع، فأنكر
[١]. كالمحدّث الاسترآباديّ في الفوائد المدنيّة، و المحدّث الجزائريّ في شرح التهذيب، و المحدّث البحرانيّ في الحدائق على ما حكاه عنهم الشيخ الأنصاريّ في فرائد الأصول ١: ١٥- ١٧. و راجع الفوائد المدنيّة:
١٢٩- ١٣١، و الحدائق الناضرة ١: ١٣٢.
[٢]. أي بعض الأصوليّين. و هو صاحب الفصول، فإنّه أنكر الملازمة الواقعيّة بين حكم العقل و حكم الشرع، و التزم بالملازمة الظاهريّة. راجع الفصول الغرويّة: ٣٣٧.
[٣]. يأتي في الصفحة: ٢٤٨ «المبحث الثالث».
[٤]. كصاحب الفصول و الشيخ الأنصاريّ، فإنّ الظاهر من كلماتهما أنّ الالتزام بالتحسين و التقبيح العقليّين غير الالتزام بتحسين الشارع و تقبيحه، غاية الأمر أنّ أحدهما يلزم الآخر. و الحقّ أنّهما شيء واحد. فراجع الفصول الغرويّة: ٣٣٧، و مطارح الأنظار: ٢٣١- ٢٣٢.
[٥]. يأتي في الصفحة: ٢٤٦ «توضيح و تعقيب».