البديع في علم العربية - ابن الأثير، مجدالدين - الصفحة ٤٤٩ - النّوع الخامس
لاََ يَعْلَمُونَ اَلْكِتََابَ إِلاََّ أَمََانِيَّ، وَ إِنْ هُمْ إِلاََّ يَظُنُّونَ [١] ، و قوله تعالى: إِنْ نَظُنُّ إِلاََّ ظَنًّا [٢] فعدّاه إلى المصدر وحده، و في المثل: "من يسمع يخل" [٣] و الجرميّ [٤] لا يجيز ذلك، و يقول: هذه الأفعال لا يخلو الإنسان منها، بخلاف غيرها؛ فلا بدّ من مفعوليها، فأمّا قول الشّاعر [٥] :
فما جنّة الفردوس ها جرت تبتغى # و لكن دعاك الخبز أحسب و التّمر
فلم يعدّ: أحسب"إلى شىء.
الحكم الرّابع: لا يجوز الاقتصار على أحد مفعوليها إذا ذكرا؛ لأنّهما كان مبتدأ و خبرا، و لا بدّ لأحدهما من الآخر؛ و لانّها إنّما تؤثّر المعنى فيهما جميعا، ألا ترى أنّ الظنّ لا يخصّ"زيدا"دون"قائما"، و لا"قائما"دون "زيد"و إنّما يخصّهما معا أي: ظننت قياما متعلّقا بزيد، فأمّا قول العرب:
ظننت ذاك/فإنّ"ذاك"إشارة إلى المصدر الذي هو الظّنّ، كأنّك قلت: ظننت ذاك الظنّ، كما كانت"الهاء"كناية عنه، و لو كان إشارة إلى غيره، لم يكن
[١] ٧٨/البقرة.
[٢] ٣٢/الجاثية.
[٣] انظر: الأمثال، لأبي عبيد القاسم بن سلاّم ٢٩٠ و مجمع الأمثال للميدانى ٢/٣٠.
و معنى المثل: أنّ المجانبة للنّاس أسلم؛ لأنّ من يسمع أخبار النّاس و معايبهم يقع في نفسه عليهم المكروه.
[٤] انظر: الهمع ٢/٢٢٥.
[٥] هو حكيم بن قبيصة بن ضرار، من شعراء الحماسة.
انظر: شرح حماسة أبي تمّام للمرزوقي ١٨٢٥، و المساعد على تسهيل الفوائد ١/٣٦٥، و الهمع ٢/٢٣٠، و الخزانة ٩/١٣٧.