البديع في علم العربية - ابن الأثير، مجدالدين - الصفحة ٥٦٩ - الفرع الثّانى فى أحكامها
و قد جاءت فى الشّعر معملة مع الفصل و تقدّم الخبر، قال الفرزدق [١] :
فأصبحوا قد أعاد اللّه دولتهم # إذ هم قريش و إذ ما مثلهم بشر
و قال الآخر [٢] :
و ما الدّهر إلاّ منجنونا بأهله # و ما صاحب الحاجات إلاّ معذّبا
و قد تأوّلوا ذلك تأويلا بعيدا. [٣]
الحكم الثّانى: تدخل الباء فى خبرها، كما دخلت فى خبر"ليس" فتقول ما زيد بقائم، و ما زيد بآكل طعامك، و ما زيد طعامك بآكل، فإن قلت:
ما طعامك زيد بآكل، لم يجز؛ للفصل بين العامل و المعمول، و قد منع الفارسىّ من دخول الباء [٤] على خبرها، فى لغة تميم، و هى فى أشعارهم موجودة.
[١] ديوانه ١/٨٥.
و هو من شواهد سيبويه ١/٦٠، و انظر أيضا: المقتضب ٤/١٩١ و المغني ٨٢، ٣٦٣، ٥١٧، ٦٠٠ و شرح أبياته ٢/١٥٨ و الخزانة ٤/١٣٣.
[٢] قال السّيوطى فى شرح شواهد المغنى ٢/٢٢٠: إنه بعض بنى سعد.
و انظر: المحتسب ١/٣٢٨ و الضرائر و المقرّب ٧٥، ١/١٠٣ و المغنى ٧٣ و شرح أبياته ٢/١١٦ و الخزانة ٤/١٣٠.
المنجنون: الدّولاب الذى يستقى عليه، و هو مؤنّث.
[٣] و من تأويلاتهم لبيت الفرزدق: أن مثلهم"ليس خبرا لـ"ما"و إنما خبر للمبتدأ مرفوع، لكنّه بنى على الفتح؛ لاضافته إلى مبنىّ؛ لأنّ المضاف إذا كان مبهما كـ"غير"و"مثل"و"دون" و أضيف إلى مبنيّ، كقوله تعالى: "إنّه لحقّ مثل ما أنكم تنطقون"بفتح"مثل"انظر: شرح أبيات المغنى ٢/١٥٩-١٦٠.
و من تأويلاتهم لقوله: و ما الدهر إلا منجنونا... : أنّ الأوّل أصله: و ما الدّهر إلا يدور دوران منجنون، و"يدور"خبر المبتدأ، فحذف هو و المصدر، و أقيم: منجنون"مقام المصدر.
أمّا الثّانى فأصله: و ما صاحب الحاجات إلا يعذّب معذّبا. أى: تعذيبا، فـ"يعذّب"خبر المبتدأ، فحذف و بقى مصدره؛ فلا عمل لـ"ما"فى الموضعين. انظر: شرح أبيات المغنى ٢/١١٨.
[٤] انظر: الشعر ٤٤٣-٤٤٤.