البديع في علم العربية - ابن الأثير، مجدالدين - الصفحة ٦٥٤ - الفصل الثّانى فى الخبريّة
ملكت، قال الفرزدق [١] :
كم عمّة لك يا جرير و خالة # فدعاء قد حلبت علىّ عشاري
ينشد بنصب «العمّة» ، و رفعها، و جرّها؛ فالنّصب: على هذه اللغة- و هى قليلة-أو على الاستفهام، من طريق الاستهزاء به؛ لأنّه هاج، و الهاجي لا يكون مستفهما إلاّ على سبيل التّلهّي. و الجرّ: على الخبر-و هو الأكثر- و الرّفع، على معنى: كم مرّة حلبت علىّ عماتك، و تقدير الإعراب فيه: أنّ «العمّة» مرفوعة بالابتداء، و «قد حلبت» الخبر.
و هذه «كم» الخبريّة مضافة إلى مميّزها، عاملة فيه الجرّ، فإذا وقعت بعدها «من» كانت منوّنة فى التقدير، كقوله تعالى: وَ كَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنََاهََا [٢] وَ كَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي اَلسَّمََاوََاتِ [٣] التقدير: كثير من القرى، و من الملائكة. و ذهب بعضهم [٤] إلى أنّها منوّنة أبدا، و المجرور بعدها بإضمار «من» .
و إذا أعدت الضّمير إليها عاد علي اللّفظ مرّة، و علي المعنى أخرى، تقول:
كم رجل رأيته، و رأيتهم، و كم امرأة لقيتها، و لقيتهنّ/و منه قوله تعالي: وَ كَمْ
[١] ديوانه ١/٣٦١. و هو من شواهد سيبويه ٢/٧٢، ١٦٦. و انظر أيضا: المقتضب ٣/٥٨ و الأصول ١/٣١٨ و التبصرة ٣٢٢ و ابن يعيش ٤/١٣٣ و المغنى ١٨٥ و شرح أبياته ٤/١٦٥ و الخزانة ٦/٤٨٥.
الفدعاء: المعوجّة الرّسغ من اليد أو الرّجل. العشار: جمع عشراء: و هى النّاقة أتى على حملها عشرة أشهر.
[٢] ٤/الأعراف.
[٣] ٢٦/النجم.
[٤] و هم الفرّاء و الكوفيّون. انظر: ابن يعيش ٤/١٣٤ و المساعد ٢/١١٠ و الهمع ٤/٨١.