البديع في علم العربية - ابن الأثير، مجدالدين - الصفحة ٣٥٨ - الفرع الثّاني في معاني هذه الحروف، و أوضاعها
كََانُوا قَبْلَ ذََلِكَ مُتْرَفِينَ . `وَ كََانُوا يُصِرُّونَ عَلَى اَلْحِنْثِ اَلْعَظِيمِ [١] و قال في موضع آخر: إِنَّهُمْ كََانُوا قَبْلَ ذََلِكَ مُحْسِنِينَ . `كََانُوا قَلِيلاً مِنَ اَللَّيْلِ مََا يَهْجَعُونَ [٢] .
و أمّا «الفاء» : فإنها تفيد الجمع و الترتيب بلا مهلة، تقول: قام زيد فعمرو، فـ «عمرو» . قام بعد قيام «زيد» و عقيبه، من غير أن يتأخّر عنه زمانا يعتدّ به، و إن كان لا بدّ من زمان يفرق بين قياميهما، و لو قلت: اضرب زيدا فعمرا، فضرب «عمرا» قبل «زيد» لم يطابق فعله أمرك، و كذلك لو أردت أن تضرب «عمرا» قبل «زيد» و قد قلت له: اضرب زيدا فعمرا، فقدّمه في الضّرب، لم يكن ممتثلا؛ لمخالفته اللّفظ، قال الزّجّاج: معنى الفاء: التّفرّق على مواصلة أي: ليست حالها كحال الواو التى ما عطف بها علي ما قبلها، بمنزلة ما جمع في لفظ واحد، و قوله: على مواصلة [٣] ، أي: لما فيها من قوّة الإتباع بلا مهلة. فأما نحو قوله تعالى: وَ كَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنََاهََا فَجََاءَهََا بَأْسُنََا [٤] ، و قوله: فَإِذََا قَرَأْتَ اَلْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللََّهِ [٥] ، و قوله: إِذََا قُمْتُمْ إِلَى اَلصَّلاََةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ [٦] فمؤوّل على: أنّه لما أهلكها حكم بأنّ البأس جاءها، و على: إذا أردتم القراءة فاستعيذوا، و كذلك: إذا أردتم الصّلاة فاغسلوا.
[١] ٤٥، ٤٦/الواقعة.
[٢] ١٦، ١٧/الذريات.
[٣] لم أقف علي هذا القول للزجاج في المطبوع من كتابه «معاني القرآن و إعرابه» . و انظر: شرح ابن القوّاس على ألفيّة ابن معطي ١/٧٧٨ فقد ذكر ابن القوّاس رأى الزجاج.
[٤] ٤/الأعراف.
[٥] ٩٨/النحل.
[٦] ٦/المائدة.