الأزهر في ألف عام - الخفاجي، محمد عبد المنعم - الصفحة ١٧٢ - منهج الدراسة بالأزهر منذ إنشائه
و قد وفد إلى مصر عقب انتهاء الدولة الفاطمية أبو القاسم الرعيني الشاطبي الضرير، المقرىء الشهير المتوفى سنة ٥٩٠ ه و هو صاحب حرز الأمانى و وجه التهاني الذي ما زال إلى اليوم من أهم متون التجويد و القراءات.
و يظهر من عناية الخلفاء الفاطميين بالعلوم الرياضية و الفلكية و الطبية و الجغرافية أن تلك العلوم لا بد أن تكون قد درست في الأزهر في زمانهم، كما كانت تدرس في دار الحكمة التي أسسها الحاكم بأمر اللّه سنة ٣٩٥ ه (١٠٠٥ م).
و قد كان الأزهر في زمن الفاطميين موئل الثقافة الدينية، و كان له الأثر الواضح في تنمية الحياة العقلية و الفكرية و تخريج علماء الدين و اللغة، و لكنه لم يكن له أثر في توجيه الحياة السياسية في ذلك العصر، مثل ما ظهر له ظهورا جليا في الدولة المصرية بعد ذلك.
و لما انقرضت دولة الفاطميين سنة ٥٦٧ ه و استولى صلاح الدين بن يوسف الايوبي على ملك مصر، أنشأ بالقاهرة مدرسة للفقهاء الشافعية، و أخرى للفقهاء الماليكية، و نحي قضاة مصر الشيعة كلهم، و ابتنى خلفاؤه من بعده المدارس المتنوعة و التي خصصت كل مدرسة منها بتدريس علوم خاصة، و تحولت الحركة و النشاط العلمي في الأزهر إلى تلك المدارس، و إن لم تنقطع الدراسة فيه، كما أسلفنا.
و في زمن الظاهر بيبرس البندقداري من ملوك الجراكسة سنة ٦٦٥ ه أعاد للأزهر حياته العلمية و الدينية. و أول ما درس به من مذاهب أهل السنة مذهب الإمام الشافعي رضي اللّه عنه، ثم أدخلت اليه المذاهب الأخرى تباعا.
و اتجهت العناية الكبرى حينئذ لا تقان تدريس العلوم الدينية بوجه خاص، و تسابقت همم الفحول في إتقان آلاتها، من نحو و صرف و بلاغة، فنبغ بمصر أئمة أعلام يفتخر بهم اليوم العالم الإسلامي أجمع، كالإمام عز