الأزهر في ألف عام - الخفاجي، محمد عبد المنعم - الصفحة ١٧ - الشيخ محمّد عبده و أثره في الإصلاح الديني ١٢٦٦ ه- ١٩٠٥ م
بماضي أسلافهم، بل ساعين إلى أن يبنوا من جديد لحاضرهم و مستقبلهم في حياتهم كما بنى أسلافهم.
فهو أبدا داع إلى أن العقل يجب أن يحكم كما يحكم الدين، فالدين عرف بالعقل و لا بد من اجتهاد يعتمد على الدين و على العقل معا حتى يستطيع المسلمون أن يواجهوا الاوضاع الجديدة في المدينة الجديدة مقتبسين منها ما يفيد و ينفع، و إذا كان المسلمون لا يستطيعون ان يعيشوا في عزلة فلا بد لهم من أن يتسلحوا بما يتسلح به غيرهم، و اكبر سلاح في الدنيا هو العلم. و اكبر عمدة في الأخلاق، هو الدين و من حسن حظ المسلمين إن دينهم يشرح للعلم صدره حاضا عليه غير ضائق بالأخلاق الفاضلة التي تدعو إليها المدنية الحاضرة.
ان الشيخ- مع هيبته وحدته- كان طيب القلب سليم الصدر وفيا لأصدقائه لطيف الحديث سمح النفس ينصف الناس في الحق حتى من نفسه.
و من أعجب ما يعجب له الذين يحبون أن يعرفوه على حقيقته أن يطلب إلى فاضل من فضلاء علماء المسلمين النيل منه حتى يتخذ من ذلك ذريعة إلى تعيينه شيخا لعلماء مدينة الاسكندرية فتتهيأ بذلك له السبيل إلى إصلاح الأزهر من مدينة الاسكندرية و قد عجز عن ذلك الإصلاح في مدينة القاهرة و ذلك- على ما يروى السيد رشيد رضا- أن الإمام أشار على الأستاذ الشيخ محمد شاكر قاضي قضاة السودان أن يظهر السخط عليه لاستمالة الخديو تمهيدا لتعيينه شيخا لعلماء مدينة الإسكندرية، إذ كان من المعروف لدى الخديو أن الشيخ محمد شاكر هو من حزب الشيخ محمد عبده و من رجاله و أنه هو الذي اختاره للسودان و سعى لجعله قاضي القضاة فيه، و بهذه الحيلة من الرجلين الكبيرين محمد عبده و محمد شاكر لطف اللّه بعباده العلماء و أراد ألا يبقى حالة الإسكندرية على ما كانت عليه من الخلف و تعطيل الأعمال فتقرر انتخاب الشيخ شاكر شيخا لعلماء الإسكندرية و صدر الأمر العالي بذلك في ٢٦ إبريل سنة ١٩٠٤.