المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٧٩
فإن قلت: فلم ترك عيسى عليه السّلام النكاح مع فضله؟ و إن كان الأفضل التخلّي لعبادة اللّه تعالى فلم استكثر النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم من الأزواج؟
فاعلم أنّ الأفضل الجمع بينهما في حقّ من قدر و قويت منّته[١]و علت همّته فلا يشغله عن اللّه شاغل، فرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أخذ بالقوّة و جمع بين فضل العبادة و النكاح، فلقد كان مع تسع من النسوة متخلّيا لعبادة اللّه تعالى، و كان قضاء الوطر من النكاح في حقّه غير مانع كما لا يكون قضاء الحاجة في حقّ المشغولين بتدبيرات الدنيا مانعا لهم عن التدبير حتّى يشتغلوا في الظاهر بقضاء الحاجة و قلوبهم مستغرقة بهممهم، غير غافلة عن مهمّاتهم، فكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لعلوّ درجته لا يمنعه أمر هذا العالم عن حضور القلب مع اللّه تعالى، و كان ينزل عليه الوحي و هو في فراش امرأته و متى يسلم هذا المنصب لغيره؟ و كما لا ينبغي أن يعتبر بالسواقي البحر الخضمّ[٢]، فلا ينبغي أن يقاس عليه غيره، و أمّا عيسى عليه السّلام فإنّه أخذ بالحزم لا بالقوّة و احتاط لنفسه و لعلّ حاله كانت حالة تؤثّر فيها الاشتغال بالأهل أو يتعذّر معها طلب الحلال أو لا يتيسّر فيها الجمع بين النكاح و التخلّي للعبادة فآثر التخلّي للعبادة، و هم أعلم بأسرار أعمالهم و أحكام أعصارهم في طيب المكاسب و أخلاق النساء، و ما على الناكح من غوائل النكاح و ما له فيه، و مهما كانت الأحوال منقسمة حتّى يكون النكاح في بعضها أفضل و تركه في بعضها أفضل فحقّنا أن ننزّل أفعال الأنبياء عليهم السّلام على الأفضل في كلّ حال.
الباب الثّاني (في ما يراعى حالة العقد من أحوال المرأة و شروط العقد)
أمّا العقد و أركانه
و شروطه لينعقد و يفيد الحلّ فأربعة: (١) أقول: بل ثلاثة لأنّ حضور الشاهدين ليس بشرط عندنا و إن استحبّ،
[١] المنة- بضم الميم و شد النون-: القوة.
[٢] السواقى: الجداول الصغيرة، و الخضم- بكسر الخاء و فتح الضاد و شد الميم- البحر العظيم.
المحجة