المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٤٠
يَشْتَهُونَ» [١].
ثمّ أفضل ما يقدّم بعد الفاكهة اللّحم و الثريد فإن جمع إليه حلاوة بعده فقد جمع الطيّبات، و دلّ على حصول الإكرام باللّحم قوله تعالى في ضيف إبراهيم: «جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ» أي محنوذ و هو الّذي اجيد نضجه و هو أحد معنيي الإكرام أعني تقديم اللّحم، و قال تعالى في وصف الطيّبات: «وَ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَ السَّلْوى» [٢] المنّ: العسل، و السلوى: اللّحم، سمّي سلوى لأنّه يسلّى به على جميع الإدام و لا يقوم غيره مقامه و لذلك قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «سيّد الإدام اللّحم»[١] ثمّ قال تعالى بعد ذكر المنّ و السلوى: «كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ» فاللّحم و الحلاوة من الطيّبات.
قال أبو سليمان الدّارانيّ: أكل الطيّبات يورث الرّضا عن اللّه عزّ و جلّ، و يتمّ هذه الطيّبات بشرب الماء البارد و صبّ الماء الفاتر على اليد عند الغسل و يقال:
إنّ الملائكة تحضر المائدة إذا كان عليها بقل و ذلك أيضا مستحبّ و لما فيه من التزيين بالخضرة، و في الخبر «أنّ المائدة الّتي أنزلت على بني إسرائيل كان عليها من كلّ البقول إلّا الكرّاث، و كان عليها سمكة عند رأسها خلّ و عند ذنبها ملح، و سبعة أرغفة على كلّ رغيف زيتون، و حبّ رمّان» فهذا إذا جمع حسن للموافقة [٣].
الثالث أن يقدّم من الألوان ألطفها
حتّى يستوفي منه من يريد فلا يكثر الأكل بعده و عادة المترفّهين تقديم الغليظ من الأطعمة ليستأنف حركة الشهوة بمصادفة اللّطيف بعده و هو خلاف السنّة فإنّه حيلة في استكثار الأكل، و كان من سنّة المتقدّمين أن يقدّموا جملة الألوان دفعة واحدة و يضعفون القصاع على المائدة ليأكل كلّ واحد ممّا يشتهي و إن لم يكن عنده إلّا لون واحد ذكره ليستوفوا منه حاجتهم و لا ينتظروا أطيب منه، و يحكى عن بعض أرباب المروّات أنّه كان يكتب
[١] الكافي ج ٦ ص ٣٠٨ و فيه «سيد الطعام اللحم» و «سيد ادام الجنة اللحم» و أخرجه هكذا الطبراني في الأوسط و البيهقي في الشعب.
[١] الواقعة: ٢٠ و ٢١.
[٢] البقرة: ٥٧.
[٣] راجع الدر المنثور ج ٢ ص ٣٤٧.
المحجة