المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢٩٩
بحيث لا يشتهيه و لا يستلذّه لو أكله فإنّ ذلك محال و لكن على معنى أنّه يزجره عقله عن الاقدام عليه و تحصل فيه كراهية للضّرر المتعلّق به، و المقصود من هذا أنّه لو أحبّ أستاذه لأنّه يواسيه و يعلّمه أو تلميذه لأنّه يتعلّم منه و يخدمه و أحدهما حظّ لنفسه عاجل و الآخر آجل فيكون من جملة المتحابّين في اللّه و لكن بشرط واحد، و هو أن يكون بحيث لو منعه العلم مثلا أو تعذّر عليه تحصيله منه لنقص حبّه بسببه فالقدر الّذي ينقص بسبب فقده هو للَّه تعالى و له على ذلك القدر ثواب الحبّ في اللّه تعالى و ليس بمستنكر أن يشتدّ حبّك لإنسان لجملة أغراض ترتبط لك به، فإن امتنع بعضها نقص حبّك و إن زاد ازداد الحبّ، فليس حبّك للذّهب كحبّك للفضّة إذا تساوى مقدارهما لأنّ الذّهب يوصل إلى أغراض هي أكثر ممّا توصل إليه الفضّة فإذن يزيد الحبّ بزيادة الغرض و لا يستحيل اجتماع الأغراض الدّنيوية و الأخرويّة فهو داخل في جملة الحبّ للَّه، و حدّه أنّ كلّ حبّ لو لا الإيمان باللّه و اليوم الآخر لم يتصوّر وجوده فهو حبّ في اللّه و كذلك كلّ زيادة في الحبّ لو لا الإيمان باللّه لم تكن تلك الزيادة فتلك الزيادة من الحبّ في اللّه فذلك و إن دقّ فهو عزيز، قال الجريري: تعامل الناس في القرن الأوّل بالدّين حتّى رقّ الدّين، و تعاملوا في القرن الثاني بالوفاء حتّى ذهب، و في الثالث بالمروّة حتّى ذهبت، و لم يبق إلّا الرغبة و الرهبة.
القسم الرابع أن يحبّ للَّه و في اللّه
لا لينال منه علما أو عملا أو يتوسّل به إلى أمر وراء ذاته و هذا أعلى الدّرجات و هو أدقّها و أغمضها، و هذا القسم أيضا ممكن فإنّ من آثار غلبة الحبّ أن يتعدّى من المحبوب إلى كلّ من يتعلّق بالمحبوب و يناسبه و لو من بعد، فمن أحبّ إنسانا حبّا شديدا أحبّ محبّ ذلك الإنسان، و أحبّ محبوبه، و أحبّ من يخدمه، و أحبّ من يثني عليه محبوبه، و أحبّ من يتسارع إلى رضا محبوبه، حتّى قال بقيّة بن الوليد: إنّ المؤمن إذا أحبّ المؤمن أحبّ كلبه، و هو كما قال و يشهد له التجربة في أحوال العشّاق و يدلّ عليه أشعار الشعراء و لذلك يحفظ ثوب المحبوب و يخفيه تذكرة من جهته و يحبّ منزله و محلّته
المحجة