المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٤٥
قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «إنّ الرّجل ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم» [١].
و دعي بعض السلف برسول فلم يصادفه الرسول في منزله فلما سمع حضر و كان قد تفرّقوا و فرغوا فخرج إليه صاحب الدّار، و قال: قد خرج القوم، قال: هل بقيت بقيّة؟ قال: لا، قال: فكسرة إن بقيت؟ فقال: لم تبق، قال: فالقدور أمسحها؟ قال: قد غسلناها فانصرف يحمد اللّه تعالى، قال: فقيل له في ذلك، فقال:
قد أحسن الرّجل دعانا بنيّة و ردّنا بنيّة، فهذا هو المعنى في التواضع و حسن الخلق.
و حكي أنّ الأستاذ أبا القاسم الجنيد دعاه صبيّ إلى دعوة أبيه أربع مرّات فردّه الأب في المرّات الأربع و هو يرجع في كلّ مرّة تطييبا لقلب الصبيّ في الحضور و لقلب الأب في الانصراف، فهذه نفوس قد ذلّلت بالتواضع للَّه فاطمأنّت بالتوحيد و صارت صاحبها يشاهد في كلّ ردّ و قبول عبرة فيما بينه و بين ربّه فلا ينكسر بما يجري من العباد من الإذلال كما لا يستبشر بما يجري منهم من الإكرام بل يرون الكلّ من الواحد القهّار و لذلك قال بعضهم: إنّي لا أجيب الدّعوة إلّا لأنّي أتذكّر بها طعام الجنّة أي هو طعام طيّب يحمل عنّا كدّه و مئونته و حسابه.
الثالث أن لا يخرج إلّا برضا صاحب المنزل و إذنه
و يراعي قلبه في مقدار الإقامة و إذا نزل ضيفا فلا يزيد على قدر ثلاثة أيّام فربما يتبرّم به و يحتاج إلى إخراجه قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «الضيافة ثلاثة أيّام فما زاد فصدقة»[١]نعم لو ألحّ ربّ المنزل علي جلوسه عن خلوص قلب فله المقام إذ ذاك».
(١) أقول: و من طريق الخاصّة ما رواه في الكافي عن الصادق عليه السّلام قال: «قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: الضيافة أوّل يوم و الثاني و الثالث، و ما بعد ذلك فهو صدقة تصدّق بها عليه، قال: ثمّ قال: و لا ينزل أحدكم على أخيه حتّى يؤثمه معه، قيل: يا رسول اللّه كيف يؤثمه؟ قال: حتّى لا يكون عنده ما ينفق عليه[٢]».
[١] أخرجه الترمذي في صحيحه ج ٨ ص ١٤٥ في حديث و قال: حسن صحيح.
[٢] وثمه يثمه: دقه و كسره و ما أوثمها ما أقل رعيتها (القاموس) و قوله عليه السّلام:
يؤثمه اى يوقعه في التعب و المشقة و التكلف في الإنفاق. و قد يقرء يؤثمه من الاثمة فيكون تفسيرا باللازم. و الخبر في المصدر ج ٦ ص ٢٨٣. و روى نحوه مسلم في صحيحه ج ٥ ص ١٣٨.
[١] الكافي ج ٢ باب حسن الخلق ص ٩٩.
المحجة