المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٩٠
بل إنّما عدّ من الخيار من لم يكن يثبت اسمه في الدفتر أصلا و لا يجعله دينا بل يقول:
خذ ما تريد فان يسّر اللّه لك فاقض و إلّا فأنت في حلّ منه و سعة، فهذه طرق تجارات السلف و قد اندرست و القائم بذلك محيي لهذه السنّة.
و بالجملة فالتجارة محك الرجال و بها يمتحن دين الرجل و ورعه و لذلك قيل:
لا يغرنّك من المرء قميص رقعه
أو إزار فوق كعب الساق منه رفعه
أو جبين لاح فيه أثر قد قلعه
ولدي الدرهم فانظر غيّه أو ورعه
و لذلك قيل: إذا أثنى على رجل جيرانه في الحضر و أصحابه في السفر و معاملوه في الأسواق فلا تسألوا عن صلاحه.
و شهد شاهد عند بعضهم قال: ائتني بمن يعرفك فأتى برجل فأثنى عليه خيرا فقال له: أنت جاره الأدنى الّذي تعرف مدخله و مخرجه؟ فقال: لا فقال: كنت رفيقه في السفر الّذي يستدلّ به على مكارم الأخلاق؟ فقال: لا، قال: عاملته بالدرهم و الدينار الّذي يستبين به ورع الرجل؟ فقال: لا، قال: أظنّك رأيته قائما في المسجد يهمهم بالقرآن يخفض رأسه طورا و يرفعه أخرى؟ قال: نعم، قال: اذهب فلست تعرفه، و قال للرجل: ائتني بمن يعرفك.
الباب الخامس (في شفقة التاجر على دينه فيما يخصّه و يعمّ آخرته)
لا ينبغي للتاجر أن يشغله معاشه عن معاده فيكون عمره ضايعا و صفقته خاسرة و ما يفوته من الربح في الآخرة لا يفي به ما يناله في الدنيا فيكون ممن اشترى الحياة الدنيا بالآخرة، بل العاقل ينبغي أن يشفق على نفسه و شفقته على نفسه بحفظ رأس ماله و رأس ماله دينه و تجارته فيه.
قال بعض السلف أولى الأشياء بالعاقل أحوجه إليه في العاجل و أحوج شيء إليه في العاجل ما هو عون له على تجارة الآجل، و قال اللّه تعالى: «وَ لا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا» أي لا تنس في الدنيا نصيبك منها في الآخرة فإنّها مزرعة الآخرة و فيها يكتسب
المحجة