المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٨٥
البصير المداقّ» [١].
قال أبو حامد: «و إن كان من غير تلبيس فهو من الإحسان و قلّما يتمّ هذا إلّا بنوع تلبيس و إخفاء لسعر الوقت، و إنّما الإحسان المحض ما نقل عن السري السقطي أنّه اشترى كرّ لوز بستّين دينارا و كتب في روزنامجه ثلاثة دنانير ربحه و كأنّه رأى أن يربح على العشرة نصف دينار فصار اللّوز بتسعين فأتاه الدّلّال و كان من الصالحين و طلب اللّوز بتسعين فقال السري: قد عقدت عقدا لا أحلّه لست أبيعه إلّا بثلاثة و ستّين دينارا، فقال: و أنا عقدت بيني و بين اللّه أن لا أغشّ مسلما لست آخذ منك إلّا بتسعين، قال: فلا الدّلّال اشترى منه و لا هو باعه. فهذا محض الإحسان من الجانبين، فإنّه مع العلم بحقيقة الحال، و من قنع بربح قليل كثرت معاملاته و استفاد من تكرّرها ربحا كثيرا و به يظهر البركة.
كان عليّ عليه السّلام يدور في سوق الكوفة بالدّرّة و يقول: «معاشر التجّار خذوا الحقّ و أعطوا الحقّ تسلموا، لا تردّوا قليل الربح فتحرموا كثيره».
و قيل لبعضهم: ما سبب يسارك؟ قال: ثلاث: ما رددت ربحا قطّ، و لا طلب منّي حيوان فأخّرت بيعه، و لا بعت بنسيئة، و يقال: إنّه: باع ألف ناقة فما ربح إلّا عقلها فباع كلّ عقال بدرهم فربح فيها ألف درهم و ربح من نفقته عليها في اليوم ألف درهم.
الثاني في احتمال الغبن
فالمشتري إن اشترى طعاما من ضعيف أو شيئا من فقير فلا بأس أن يحتمل الغبن و يتساهل و يكون به محسنا و داخلا في قوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:
«رحم اللّه امرأ سهل البيع سهل الشراء» [١].
فأمّا إذا اشترى من غنيّ تاجر يطلب الربح زيادة على حاجته فاحتمال الغبن منه ليس محمودا بل هو تضييع مال من غير أجر و لا حمد، و قد ورد في حديث من طريق أهل
[١] أخرجه البخاري ج ٣ ص ٧١ هكذا «رحم اللّه رجلا سمحا إذا باع و إذا اشترى و إذا اقتضى» و للحاكم في المستدرك ج ٢ ص ٥٤ مثله.
[١] المصدر ج ٥ ص ١٥٣ تحت رقم ١٩.
المحجة