المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣٣٣
مغيبه كذلك.
قال بعضهم: ما ذكر أخ لي بغيب إلّا تصوّرته جالسا فقلت فيه ما يحبّ أن يسمع لو حضر.
و قال آخر: ما ذكر أخ لي إلّا تصوّرت نفسي في صورته فقلت فيه مثل ما احبّ أن يقال فيّ، و هذا من صدق الإسلام و هو أن لا يرى لأخيه إلّا ما يراه لنفسه.
نظر أبو الدّرداء إلى ثورين يحرثان في فدّان فوقف أحدهما يحكّ جسمه فوقف الآخر، فبكى و قال: هكذا الإخوان في اللّه يعملان للَّه فإذا وقف أحدهما وافقه الآخر. و بالموافقة يتمّ الإخلاص و من لم يكن مخلصا في إخائه فهو منافق و الإخلاص استواء الغيب و الشهادة و اللّسان و القلب و السرّ و العلانية و الجماعة و الخلوة، و الاختلاف و التفاوت في شيء من ذلك ممازقة في المودّة و هو دخل في الدين و وليجة [١] في طريق المؤمنين، و من لا يقدر من نفسه على هذا فالانقطاع و العزلة أولى به من المؤاخاة و المصاحبة، فإنّ حقّ الصحبة ثقيل لا يطيقه إلّا محقّق و لا جرم أجره جزيل لا يناله إلّا موفّق، و لذلك قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «أحسن مجاورة من جاورك تكن مسلما أو أحسن مصاحبة من صاحبك تكن مؤمنا» [٢] فانظر كيف جعل الإيمان جزاء الصحبة، و الإسلام جزاء الجوار، و الفرق بين فضل الإيمان و فضل الإسلام على حدّ الفرق بين المشقّة في القيام بحقّ الجوار و القيام بحقّ الصحبة، فإنّ الصحبة تقتضي حقوقا كثيرة في أحوال متفاوتة مترادفة بل على الدّوام، و الجوار لا يقتضي إلّا حقوقا قريبة في أوقات متباعدة لا تدوم، و من ذلك التعليم و النصيحة فليس حاجة أخيك إلى العلم بأقلّ من حاجته إلى المال فإن كنت غنيّا بالعلم فعليك مواساته من فضلك و إرشاده إلى كلّ ما ينفعه في الدين و الدنيا فإن علّمته و أرشدته و لم يعمل بمقتضى العلم فعليك نصحه، و ذلك بأن تذكر آفات ذلك الفعل و فوائد
[١] الوليجة: الدخيلة، بطانة الإنسان و خاصته او من يتخذه معتمدا عليه من غير أهله.
[٢] أخرج شطره الأول ابن ماجه تحت رقم ٤٢١٧ في حديث بإسناد حسن عن أبي هريرة و فيه «مؤمنا» و قال العراقي: رواه القضاعي في مسند الشهاب بلفظ المصنف.
المحجة