المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢٩
«و أما آداب التقديم
فترك التكلّف أوّلا
و تقديم ما حضر فإن لم يحضره شيء و لم يملك شيئا فلا يستقرض لذلك فيشقّ على نفسه و إن حضره ما هو محتاج إليه لقوته و لم تسمح نفسه بالتقديم فلا ينبغي أن يقدّمه، و كان الفضيل يقول: إنّما تقاطع الناس بالتكلّف يدعو أحدهم أخاه فيتكلّف له فيقطعه عن الرجوع إليه، و قال بعضهم: ما أبالي من أتاني من إخواني فإنّي لا أتكلّف له إنّما اقرّب ما عندي و لو تكلّفت له لكرهت مجيئه و مللته.
و قال بعضهم: كنت أدخل على أخ لي فكان يتكلّف فقلت له: إنّك لا تأكل وحدك هذا و لا أنا فما بالنا إذا اجتمعنا أكلنا ما لا يجري العادة به، فإمّا أن تقطع هذا التكلّف أو أقطع المجيء فقطع التكلّف و دام اجتماعنا بسببه.
و من التكلّف أن يقدّم جميع ما عنده فيجحف بعياله و يؤذي قلوبهم و روي أنّ رجلا دعا عليّا عليه السّلام فقال: أجيئك على ثلاثة شروط لا تدخل من السوق شيئا و لا تدّخر ما في البيت و لا تجحف بالعيال. و كان بعضهم يقدّم من كلّ ما في بيته شيئا فلا يترك نوعا إلّا و يحضر شيئا منه. و قال بعضهم: دخلنا على جابر بن عبد اللّه فقدّم إلينا خبزا و خلاّ و قال: لو لا أنّا نهينا عن التكلّف لتكلّفت لكم» [١] و قال بعضهم: إذا قصدت للزّيارة فقدّم ما حضر و إذا استزرت فلا تبق و لا تذر.
قال سلمان- رضي اللّه عنه- أمرنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أن لا نتكلّف للضيف ما ليس عندنا و أن نقدّم إليه ما حضرنا» [٢] و في حديث يونس على نبيّنا و عليه السلام أنّه زاره إخوانه فقدم إليهم كسرا و جزّ لهم بقلا كان يزرعه، ثمّ قال: كلوا لو لا أنّ اللّه عزّ و جلّ لعن المتكلّفين لتكلّفت لكم».
(١) أقول: و في الكافي بسند حسن عن الصادق عليه السّلام قال: «المؤمن لا يحتشم من أخيه و لا يدري أيّهما أعجب الّذي يكلّف أخاه إذا دخل أن يتكلّف له أو المتكلّف
[١] ما عثرت عليه الا من طريق سلمان في مسند أحمد ج ٥ ص ٤٤١.
[٢] أخرجه الخرائطي بهذا اللفظ في مكارم الأخلاق، و أخرجه أحمد في المسند ج ٥ ص ٤٤١ و الطبراني بألفاظ مختلفة في الكبير و الأوسط كما في مجمع الزوائد ج ٨ ص ١٧٩.
المحجة