المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢١٨
الصادق عليه السّلام أنّه قال: التقوى على ثلاثة أوجه تقوى باللّه في اللّه و هو ترك الحلال فضلا عن الشبهة و هو تقوى خاصّ الخاصّ، و تقوى من اللّه و هو ترك الشبهات فضلا عن الحرام و هو تقوى الخاصّ و تقوى من خوف النّار و العقاب و هو ترك الحرام و هو تقوى العامّ، و مثل التقوى كماء يجري في نهر و مثل هذه الطبقات الثلاث في معنى التقوى كأشجار مغروسة على حافّة ذلك النهر على قدر جوهره و طعمه و لطافته و كثافته، ثمّ منافع الخلق من ذلك الأشجار و الثمار على قدرها و قيمتها قال اللّه عزّ و جلّ:
«صِنْوانٌ وَ غَيْرُ صِنْوانٍ يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَ نُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ- الآية-» [١] فالتقوى للطاعات كالماء للأشجار و مثل طبائع الأشجار و الثمار في لونها و طعمها مثل مقادير الإيمان فمن كان أعلى درجة في الإيمان و أصفى جوهرا بالروح كان أتقى و من كان أتقى كانت عبادته أخلص و أطهر، و من كان كذلك كان من اللّه أقرب و كلّ عبادة مؤسّسة على غير التقوى فهي هباء منثور، قال اللّه عزّ و جلّ: «أَ فَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللَّهِ وَ رِضْوانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ- الآية-» [٢] و تفسير التقوى ترك ما ليس بأخذه بأس حذرا ممّا به البأس و هو في الحقيقة طاعة و ذكر بلا نسيان، و علم بلا جهل، مقبول غير مردود».
قال أبو حامد: «فهذه دقائق الورع عند سالكي طريق الآخرة و التحقيق فيه أنّ الورع له أوّل و هو الامتناع ممّا حرّمه الفتوى و هو ورع العدول، و له غاية و هو ورع الصدّيقين و ذلك هو الامتناع من كلّ ما ليس للَّه ممّا أخذ بشهوة أو توصّل إليه بمكروه أو اتّصل بسببه مكروه و بينهما درجات في الاحتياط، فكلّما كان العبد أشدّ تشديدا على نفسه كان أخفّ ظهرا يوم القيامة و أسرع جوازا على ظهر الصراط و أبعد عن أن تترجّح كفّة سيّئاته على كفّة حسناته و تفاوت المنازل في الآخرة بحسب تفاوت هذه الدّرجات في الورع كما تتفاوت دركات النّار في حقّ الظلمة بحسب تفاوت درجات الحرام في الخبث، و إذا علمت حقيقة الأمر فإليك الخيرة فإن شئت فاستكثر من الاحتياط و إن شئت فرخّص، فلنفسك تحتاط و على نفسك ترخّص.
[١] الرعد: ٤.
[٢] التوبة: ١٠٩.
المحجة