المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣٢٩
و عند طمعه و هواه، بل ينبغي أن يكون صدق الاخوّة ثابتا عند اختلاف هذه الأحوال و لذلك قيل:
و ترى الكريم إذا تصرّم وصله
يخفي القبيح و يظهر الإحسانا
و ترى اللّئيم إذا تقضّى وصله
يخفي الجميل و يظهر البهتانا
و من ذلك السكوت عن المماراة و المدافعة في كلّ ما يتكلّم به أخوك قال ابن عبّاس: لا تمار سفيها فيؤذيك و لا حليما فيقليك.
و قد قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «من ترك المراء و هو مبطل بني اللّه له بيتا في ربض الجنّة و من ترك المراء و هو محقّ بني له بيت في أعلى الجنّة» [١] هذا مع أنّ تركه مبطلا واجب و قد جعل ثواب النفل أعظم لأنّ السكوت على الحقّ أشدّ على النفس من السكوت على الباطل، و إنّما الأجر على قدر النصب و أشدّ الأسباب لإثارة نار الحقد بين الإخوان المماراة و المناقشة فانّها عين التدابر و التقاطع فإنّ التقاطع يقع أوّلا بالآراء ثمّ بالأقوال ثمّ بالأبدان.
و قد قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «لا تدابروا و لا تباغضوا و لا تحاسدوا و لا تقاطعوا و كونوا عباد اللّه إخوانا، المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، و لا يحرمه، و لا يخذله، بحسب المرء من الشرّ أن حقّر أخاه المسلم» [٢] و أشدّ الاحتقار المماراة فإن من ردّ على غيره كلامه فقد نسبه إلى الجهل و الحمق أو إلى الغفلة و السهو عن فهم الشيء على ما هو عليه و كلّ ذلك استخفاف و إيغار للصدر و إيحاش.
و في حديث أبي أمامة الباهليّ قال: «خرج علينا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و نحن نتمارى فغضب فقال: ذروا المراء لقلّة خيره، ذروا المراء فإنّ نفعه قليل و إنّه يهيّج العداوة بين الإخوان» [٣].
[١] رواه البزار و الطبراني في معاجيمه الثلاثة كما في الترغيب ج ١ ص ١٣١ بنحوه و قد تقدم في المجلد الأول.
[٢] راجع صحيح البخاري ج ٨ ص ٢٣ و صحيح مسلم ج ٨ ص ١٠ و الكافي ج ٢ ص ١٦٧ و الترغيب ج ٣ ص ٥٦٦. و مسند أحمد ج ٥ ص ٢٥.
[٣] رواه الطبراني في الكبير من حديث أبي الدرداء و أبي امامة و واثلة بن الاسقع و أنس بن مالك إلى قوله: «لقلة خيره» كما في الترغيب ج ١ ص ١٣١ و من هنا إلى آخر الحديث رواه أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس من حديث أبي امامة كما في المغني.
المحجة