المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣٠٠
و جيرانه حتّى قال المجنون:
أمرّ على الدّيار ديار ليلى
اقبّل ذا الجدار و ذا الجدارا
و ما حبّ الدّيار شغفن قلبي
و لكن حبّ من سكن الدّيارا
فإذن المشاهدة و التجربة تدلّ على أنّ الحبّ يتعدّى من ذات المحبوب إلى ما يحيط به و يتعلّق بأشياء تناسبه و لو من بعد و لكن ذلك من خاصيّة فرط المحبّة فأصل المحبّة لا يكفي فيه و يكون اتّساع الحبّ في تعدّيه من المحبوب إلى ما يكتنفه و يحيط به و يتعلّق بأسبابه بحسب إفراط المحبّة و قوّتها فكذلك حبّ اللّه سبحانه إذا قوي و غلب على القلب و استولى عليه حتّى انتهى إلى حدّ الاستهتار فيتعدّى إلى كلّ موجود سواه، فإنّ كلّ موجود سواه أثر من آثار قدرته و من أحبّ إنسانا أحبّ خطّه و صنعته و جميع أفعاله، و لذلك كان صلّى اللّه عليه و آله و سلّم «إذا حمل إليه باكورة مسح بها عينه و أكرمها، قال: إنّه قريب العهد بربّنا [١]» و حبّ اللّه تعالى تارة يكون لصدق الرجاء في مواعيده و ما يتوقّع في الآخرة من نعيمه، و تارة لما ينيل من أياديه و صنوف نعمه، و تارة لذاته لا لأمر آخر و هو أدقّ ضروب المحبّة و أعلاها و سيأتي تحقيقها في كتاب المحبّة من ربع المنجيات، و كيفما اتّفقت محبّة اللّه فإذا قويت تعدّت إلى كلّ متعلّق به ضربا من التعلّق حتّى تتعدّى إلى ما هو في نفسه مؤلم مكروه، و لكن فرط الحبّ يضعف الإحساس بالألم و الفرح بفعل المحبوب و قصده إيّاه بالإيلام يغمر إدراك الألم و ذلك كالفرح بضربة من المحبوب أو قرصة فيها نوع معاتبة فإنّ قوّة المحبّة تنشر فرحا يغمر الألم فيه و قد انتهت محبّة اللّه بقوم إلى أن قالوا: لا نفرّق بين البلاء و النعمة فإنّ الكلّ من اللّه، و لا نفرح إلّا بما فيه رضاه حتّى قال بعضهم: لا أريد أن أنال مغفرة اللّه بمعصيته. قال سمنون:
و ليس لي في سواك حظّ
فكيفما شئت فاختبرني
و سيأتي تحقيق ذلك في كتاب المحبّة، و المقصود أنّ حبّ اللّه إذا قوي أثمر
[١] أخرجه الطبراني في الصغير من حديث ابن عباس، و أبو داود في المراسيل و البيهقي في الدعوات من حديث أبي هريرة دون قوله: «و أكرمها إلخ» و قال: انه غير محفوظ. (المغني).
المحجة البيضاء جلد٣ ٣٠١ القسم الرابع أن يحب لله و في الله ..... ص : ٢٩٩
المحجة البيضاء، جلد٣، ص: ٣٠١
حبّ كلّ من يقوم بعبادة اللّه في علم أو عمل و أثمر حبّ كلّ من فيه صفة مرضيّة عند اللّه تعالى من حسن خلق أو تأدّب بأدب الشرع، و ما من مؤمن يحبّ الآخرة و يحبّ اللّه تعالى إلّا إذا أخبر عن حال رجلين أحدهما عالم عابد و الآخر جاهل فاسق إلّا وجد في نفسه ميلا إلى العالم العابد، ثمّ يضعف ذلك الميل و يقوى بحسب ضعف إيمانه و قوّته، و بحسب ضعف حبّه للَّه تعالى و قوّته و هذا الميل حاصل و إن كانا غائبين عنه بحيث يعلم أنّه لا يصيبه منهما خير و لا شرّ في الدنيا و لا الآخرة، فذلك الميل هو حبّ في اللّه و للَّه عزّ و جلّ من غير حظّ فإنّه إنّما يحبّه لأنّ اللّه يحبّه و لأنّه مرضيّ عند اللّه و لأنّه يحبّ اللّه و لأنّه مشغول بعبادة اللّه إلّا أنّه إذا ضعف لم يظهر أثره فلا يظهر به ثواب و أجر فإذا قوي حمل على الموالاة و النصرة و الذّبّ في النفس و المال و اللّسان و يتفاوت الناس فيه بحسب تفاوتهم في حبّ اللّه تعالى و لو كان الحبّ مقصورا على حظّ ينال به من المحبوب في الحال أو المآل لما تصوّر حبّ الموتى من العلماء و العبّاد من الأنبياء و الأولياء صلوات اللّه عليهم و حبّ جميعهم مكنون في قلب كلّ مسلم متديّن و يتبيّن ذلك بغضبه عند طعن أعدائهم في واحد منهم و بفرحه عند الثناء عليهم و ذكر محاسنهم و كلّ ذلك حبّ للَّه تعالى لأنّهم خواصّ عباد اللّه و من أحبّ ملكا أو شخصا جميلا أحبّ خواصّه و خدمه و أحبّ من أحبّه إلّا أنّه يمتحن الحبّ بالمقابلة بحظوظ النفس و قد يغلب بحيث لا يبقى للنفس حظّ إلّا فيما هو حظّ المحبوب و عنه عبّر قول من قال:
أريد وصاله و يريد هجري
فأترك ما أريد لما يريد
و قول من قال: «و ما لجرح إذا أرضاكم ألم» و قد يكون الحبّ بحيث يترك به بعض الحظوظ دون بعض كمن تسمح نفسه بأن يشاطر محبوبه نصف ماله أو ثلثه أو عشره، فمقادير الأموال موازين المحبّة إذ لا تعرف درجة المحبوب إلّا بمحبوب يترك في مقابلته، فمن استغرق الحبّ جميع قلبه لم يبق له محبوب سواه فلا يمسك لنفسه شيئا، فحصل من هذا أنّ كلّ من أحبّ عالما أو عابدا أو أحبّ شخصا راغبا في علم أو عبادة أو في خير فإنّما أحبّه للَّه و في اللّه، و له من الأجر و الثواب بقدر قوّة حبّه،
المحجة