المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢٩٥
و الحقّ في هذا أنّ المشاهدة و التجربة تشهد للائتلاف عند التناسب و التناسب في الطباع و الأخلاق باطنا و ظاهرا أمر مفهوم، و أمّا الأسباب الّتي أوجبت تلك المناسبة فليس في قوّة البشر الاطّلاع عليها و غاية هذيان المنجّم أن يقول: إذا كان طالعه على تسديس طالع غيره أو تثليثه فهذا نظر الموافقة و المودّة فتقتضي التناسب و التوادّ، و إذا كان على مقابلته أو تربيعه اقتضى التباغض و العداوة، و هذا لو صدق بكونه كذلك في مجاري سنّة اللّه تعالى في خلق السماوات و الأرض، لكان الإشكال فيه أكثر من الإشكال في أصل التناسب فلا معنى للخوض فيما لم يكشف سرّه للبشر، فما أوتينا مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا، و يكفينا في التصديق بذلك التجربة و المشاهدة، و قد ورد الخبر به قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «لو أنّ مؤمنا دخل إلى مجلس فيه مائة منافق و مؤمن واحد لجاء حتّى يجلس إليه» [١].
و هذا يدلّ على أنّ شبه الشيء منجذب إليه بالطبع و إن كان هو لا يشعر به، و كان مالك بن دينار يقول: لا يتّفق اثنان في عشرة إلّا و في أحدهما وصف من الآخر و إنّ أشكال الناس كأجناس الطير و لا يتّفق نوعان من الطير في الطيران إلّا بينهما مناسبة، قال: فرأى يوما غرابا مع حمامة فعجب، و قال: اتّفقا و ليسا من شكل، ثمّ طارا فإذا هما أعرجان فقال: من هاهنا اتّفقا، و لذلك قال بعض الحكماء: كلّ إنسان يأنس إلى شكله، كما أنّ كلّ طير يطير مع جنسه، و إذا اصطحب اثنان برهة من الزّمان و لم يتشاكلا في الحال فلا بدّ و أن يفترقا و هذا معنى جليّ [٢] تفطّن له شاعر فقال:
و قائل كيف تفارقتما
فقلت قولا فيه إنصاف
لم يك من شكلي ففارقته
و النّاس أشكال و آلاف
فقد ظهر من هذا أنّ الإنسان قد يحبّ لذاته لا لفائدة تنال منه في حال أو مآل
[١] أخرجه البيهقي في شعب الايمان موقوفا على ابن مسعود، و ذكره صاحب الفردوس من حديث معاذ و لم يخرجه ولده في المسند (المغني).
[٢] كذا و في الاحياء «معنى خفى».
المحجة