المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢١٦
فيتورّع عمّا يقترن بسبب اكتسابه معصية أو كراهية، فمن ذلك ما روي عن يحيى ابن يحيى[١]أنّه شرب الدّواء فقالت له امرأته: لو مشيت في الدّار قليلا حتّى يعمل الدّواء، فقال: هذه مشية لا أعرفها و أنا أحاسب نفسي منذ ثلاثين سنة. فكأنّه لم يحضره نيّة في هذه المشية يتعلّق بالدّين فلم يجوّز الإقدام عليها.
و عن السريّ أنّه قال: انتهيت إلى حشيش في جبل و ماء يخرج منه فتناولت من ذلك الحشيش و شربت من ذلك الماء و قلت في نفسي: إن كنت قد أكلت يوما حلالا طيّبا فهو هذا اليوم، فهتف بي هاتف: القوّة الّتي أوصلتك إلى هذا الموضع من أين هي، فرجعت و ندمت على هذا الخاطر.
و روي عن ذي النون المصريّ أنّه كان جائعا محبوسا فبعثت له امرأة صالحة طعاما على يد السجّان فلم يأكل منه ثمّ اعتذر و قال: جاءني على طبق ظالم، يعني أنّ القوّة الّتي أوصلت الطعام إليّ. لم تكن طيّبة، و هذه الغاية القصوى في الورع.
و من ذلك أنّ بشرا كان لا يشرب الماء من الأنهار الّتي حفرها الأمراء فإنّ الحفر سبب لجريان الماء و وصوله إليه و إن كان الماء مباحا في نفسه فيكون كالمنتفع بالنهر المحفور بأعمال الاجراء و قد أعطوا أجرتهم من الحرام، و لذلك امتنع بعضهم عن العنب الحلال من كرم حلال و قال لصاحبه: أفسدته إذ سقيته من ماء يجري في النهر الّتي حفرته الظلمة. و هذا أبعد عن الظلم من شرب نفس الماء لأنّه احتراز من استمداد العنب من ذلك الماء.
و كان بعضهم إذا مرّ في طريق الحجّ لم يشرب من المصانع الّتي عملتها الظلمة مع أنّ الماء مباح و لكنّه بقي محفوظا بالمصنع و المصنع عمل بمال حرام، فكأنّه انتفاع به.
و امتناع ذي النون من الطعام على يد السجّان أعظم من هذا كلّه لأنّ يد السجّان لا يوصف بأنّها حرام بخلاف الطبق المغصوب إذا حمل عليه و لكنّه وصل إليه بقوّة اكتسبت بالغذاء الحرام، و لذلك تقيّأ بعضهم من اللّبن الحرام خيفة
[١] في الاحياء «يحيى بن كثير».
المحجة