المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢٩٦
بل لمجرّد المجانسة و المناسبة في الطباع الباطنة و الأخلاق الخفيّة، و يدخل في هذا القسم الحبّ للجمال إذا لم يكن المقصود قضاء الشهوة، فإنّ الصور الجميلة مستلذّة في عينها و إن قدّر فقد أصل الشهوة حتّى يستلذّ بالنظر إلى الفواكه و الأنوار و الأزهار، و التفّاح المشرّب بالحمرة، و إلى الماء و الخضرة من غير غرض سوى عينها، و هذا الحبّ لا يدخل فيه الحبّ للَّه تعالى بل هو الحبّ بالطبع و شهوة النفس و يتصوّر ذلك ممّن لا يؤمن باللّه إلّا أنّه إن اتّصل به غرض مذموم صار مذموما كحبّ الصور الجميلة لقضاء الشهوة حيث لا يحلّ قضاؤها و إن لم يتّصل به غرض مذموم فهو مباح لا يوصف بحمد و لا ذمّ إذ الحبّ إمّا محمود و إمّا مذموم و إمّا مباح لا يحمد و لا يذمّ.
القسم الثاني أن يحبّه لينال من ذاته غير ذاته
فيكون وسيلة إلى محبوب غيره، و الوسيلة إلى المحبوب محبوب، و ما يحبّ لغيره كان ذلك الغير هو المحبوب بالحقيقة، و لكنّ الطريق إلى المحبوب محبوب، و لذلك يحبّ الناس الذّهب و الفضّة من حيث إنّه وسيلة إلى المقصود إذ يتوصّل به إلى نيل جاه أو مال أو علم، كما يحبّ الرّجل سلطانا للانتفاع بماله أو جاهه و يحبّ خواصّه لتحسينهم حاله عنده و تمهيدهم أمره في قلبه فالمتوسّل إليه إن كان مقصورا لفائدة في الدّنيا لم يكن من جملة الحبّ في اللّه، و إن لم يكن مقصورا في الدّنيا و لكنّه ليس يقصد به إلّا الدّنيا كحبّ التلميذ لاستاذه فهو أيضا خارج عن الحبّ للَّه فإنّه إنّما يحبّه ليحصّل منه العلم لنفسه فمحبوبه العلم، فإذا كان لا يقصد العلم للتقرّب إلى اللّه بل لنيل الجاه و المال و القبول عند الخلق فمحبوبه الجاه و القبول عند الخلق و العلم وسيلة إليه و الأستاذ وسيلة إلى العلم فليس في شيء من ذلك حبّ للَّه إذ يتصوّر كلّ ذلك ممّن لا يؤمن باللّه أصلا، ثمّ ينقسم هذا أيضا إلى مذموم و مباح فإن كان يقصد به التوصّل إلى مقاصد مذمومة من قهر الأقران و حيازة أموال اليتامى و الأوقاف و ظلم الرعيّة بولاية القضاء و غيره كان الحبّ مذموما بنفسها.
القسم الثالث أنّ يحبّه لا لذاته بل لغيره،
و ذلك الغير غير راجع إلى حظوظه في الدّنيا بل يرجع إلى حظوظه في الآخرة و هذا أيضا ظاهر لا غموض فيه و ذلك كمن
المحجة