المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٣٨
كتاب آداب الكسب و المعاش
(١) و هو الكتاب الثالث من ربع العادات من المحجّة البيضاء في تهذيب الإحياء.
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم الحمد للَّه نحمده حمد موحّدا نمحق في توحيده ما سوى الملك الحقّ و تلاشي، و نمجّده تمجيد من يصرّح بأنّ كلّ شيء ما سوى اللّه باطل و لا يتحاشى، و أنّ كلّ من في السماوات و الأرض لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَ لَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ و لا فراشا[١]، و نشكره إذ رفع السماء لعباده سقفا مبنيّا و مهّد الأرض بساطا لهم و فراشا، و كوّر اللّيل على النهار فجعل اللّيل لباسا و جعل النهار معاشا لينتشروا في ابتغاء فضله و ينتعشوا به عن ضراعة الحاجات انتعاشا[٢]، و نصلّي على رسوله الّذي يصدر المؤمنون على حوضه روّاء بعد ورودهم عليه عطاشا، و على آله و صحبه الّذين لم يدعوا في نصر دينه تشمّرا و لا أظهروا انكماشا[٣]و نسلّم كثيرا.
اما بعد فإنّ الرّبّ الواحد الوهّاب ربّ الأرباب و مسبّب الأسباب جعل الآخرة دار الثواب و العقاب، و الدّنيا دار المحن و الاضطراب و التشمّر و الاكتساب، و ليس التشمّر في الدّنيا مقصورا على المعاد دون المعاش بل المعاش ذريعة إلى المعاد و معين عليه، فالدّنيا مزرعة الآخرة و مدرجة إليها و الناس ثلاثة: رجل شغله معاشه عن معاده فهو من الهالكين، و رجل شغله معاده عن معاشه، فهو من السابقين الفائزين، و الثالث و هو أقرب إلى الاعتدال الّذي شغله معاشه لمعاده فهو من المقتصدين، و لن
[١] الفراش- بفتح الفاء- الطير الذي يتهافت على السراج فيحترق. واحدتها فراشة- بفتح الفاء- أيضا. كما في النهاية.
[٢] الانتعاش: النشاط و النهوض.
[٣] الانكماش: الانقباض و التقلص. و انكمش الثوب بعد الغسل أي انقبض و قلص.
المحجة