المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣٥٣
و لكن حقّ الوالدين آكد، و كذلك حقّ الجار يختلف بحسب قربه من الدّار و بعده و يظهر التفاوت عند النسبة حتّى أنّ البلديّ في بلاد الغربة يجري مجرى القريب في الوطن لاختصاصه بحقّ الجوار في البلد، و كذلك حقّ المسلم يتأكّد بتأكّد المعرفة و للمعارف درجات، فليس حقّ الّذي عرف بالمشاهدة كحقّ الّذي عرف بالسماع بل آكد منه و المعرفة بعد وقوعها يتأكّد بالاختلاط و كذلك الصحبة يتفاوت درجاتها فحقّ الصحبة في الدرس و المكتب آكد من حقّ الصحبة في السفر، و كذلك الصداقة تتفاوت فإنّها إذا قويت صارت اخوّة فإن ازدادت صارت محبّة فإن ازدادت صارت خلّة و الخليل أقرب من الحبيب و المحبّة ما يتمكّن من حبّة القلب و الخلّة ما يتخلّل سرّ القلب و كلّ خليل حبيب و ليس كلّ حبيب خليلا، و تفاوت درجات الصداقة لا يخفى بحكم المشاهدة و التجربة، فأمّا كون الخلّة فوق الاخوّة فمعناه أنّ لفظ الخلّة عبارة عن حالة هي أتمّ من الاخوّة إذ الخليل هو الّذي يتخلّل الحبّ جميع أجزاء قلبه ظاهرا و باطنا و يستوعبه، و كان صلّى اللّه عليه و آله و سلّم حبيب اللّه و خليله فقد روي أنّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم صعد المنبر يوما مستبشرا فرحا فقال: «إنّ اللّه تعالى قد اتّخذني خليلا كما اتّخذ إبراهيم خليلا فأنا حبيب اللّه و أنا خليل اللّه» [١] فإذن ليس مثل المعرفة رابطة و لا بعد الخلّة درجة و ما سواهما من الدرجات دونهما، و قد ذكرنا حقّ الصحبة و الاخوّة و يدخل فيه ما وراءهما من المحبّة و الخلّة و إنّما تفاوت الرتب في تلك الحقوق كما سبق بحسب تفاوت رتب المحبّة و الاخوّة حتّى ينتهي أقصاها إلى أن يوجب الإيثار بالنفس و المال.
فنحن الآن نريد أن نذكر حقّ اخوّة الإسلام، و حقّ الرّحم، و حقّ الوالدين، و حقّ الجوار، و حقّ الملك- أعني ملك اليمين- فإنّ ملك النكاح قد ذكرنا حقوقه في كتاب آداب النكاح.
[١] أخرجه الطبراني من حديث أبي امامة في الكبير بدون قوله: «فأنا حبيب اللّه و انا خليل اللّه». بسند ضعيف كما في الجامع الصغير.
المحجة