المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢٣٧
متقابلان و أكثر الفقهاء لا يدركون الفرق بين ما لا يدرى و بين ما يشكّ فيه و قد عرفت بما سبق أنّ الورع ترك ما لا يدرى، و تكلّم جماعة في أشدّ الأعمال فقالوا:
هو الورع، فقال: لهم حسّان بن أبي سنان: ما شيء أسهل عندي من الورع إذ متى حاك في صدري شيء تركته فهذا شرط الورع، و إنّما نذكر الآن حكم الظاهر.
فنقول: حكم هذه الحالة أنّ المجهول إن قدّم إليك طعاما أو حمل إليك هديّة أو أردت أن تشتري من دكّانه شيئا فلا يلزمك السؤال بل يده و كونه مسلما دلالتان كافيتان في الهجوم على أخذه، و ليس لك أن تقول: إنّ الفساد و الظلم غالب على الناس، فهذا وسوسة و سوء ظنّ بهذا المسلم بعينه، و إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ، و هذا المسلم يستحقّ عليك بإسلامه أن لا تسيء به الظنّ، فإن أسأت الظنّ به في عينه لأنّك رأيت فسادا من غيره فقد جنيت عليه و أثمت به في الحال نقدا من غير شكّ و لو أخذت المال لكان كونه حراما مشكوكا فيه، و يدلّ عليه أنّا نعلم أنّ الصحابة في غزواتهم و أسفارهم كانوا ينزلون في القرى و لا يردّون الضيافة و القرى و يدخلون البلاد و لا يتحرّزون من الأسواق و كان الحرام أيضا موجودا في زمانهم و ما نقل عنهم سؤال إلّا عن ريبة، إذ كان صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لا يسأل عن كلّ ما يحمل إليه بل سأل في أوّل قدومه إلى المدينة عمّا يحمل إليه: أ صدقة أم هديّة، لأنّ قرينة الحال و هو دخول المهاجرين المدينة و هم فقراء يغلب على الظنّ أنّ ما يحمل إليهم يحمل بطريق الصدقة، ثمّ إسلام المعطي و يده لا يدلّ على أنّه ليس بصدقة و كان صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يدعى إلى الضيافات فيجيب و لا يسأل أ صدقة أم لا، إذ العادة ما جرت بالتصدّق بالضيافة، و كلّ من وجد ضيافة عند رجل مجهول لم يكن عاصيا بإجابته من غير تفتيش بل لو رأى في داره تجمّلا و مالا كثيرا فليس له أن يقول: الحلال عزيز و هذا كثير فمن أين يجتمع هذا من الحلال؟ بل هذا الشخص بعينه إذا احتمل أن يكون ورث مالا أو اكتسبه فهو بعينه مستحقّ إحسان الظنّ به.
و أزيد على هذا فأقول: ليس له أن يسأله بل إن كان يتورّع و لا يدخل جوفه إلّا ما يدري من أين هو فهو حسن فليتلطّف في الترك و إن كان لا بدّ له من أكله
المحجة