المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢٦٨
تكون فيه تلك الساعة فدعه الآن فلعلّ تلك الساعة قريب.
و دخل أعرابيّ على سليمان فقال: تكلّم يا أعرابيّ فقال: يا أمير المؤمنين إنّي مكلّمك بكلام فاحتمله و إن كرهته فإنّ وراءه ما تحبّ إن قبلته، قال: يا أعرابيّ إنّا لنجود بالسعة في الاحتمال على من لا نرجو نصحه و لا نأمن غشّه فكيف بمن نأمن غشّه و نرجو نصحه؟ فقال: يا أمير المؤمنين إنّه تكنّفك رجال قد أساءوا الاختيار لأنفسهم و ابتاعوا دنياهم بدينهم و رضاك بسخط ربّهم، خافوك في اللّه و لم يخافوا اللّه فيك، حرب للآخرة سلم للدّنيا، فلا تأمنهم على ما ائتمنك اللّه عليه فإنّهم لن يألوا في الأمانة تضييعا و في الامّة خسفا و عسفا و أنت مسئول عمّا اجترحوا و ليسوا مسئولين عمّا اجترحت، فلا تصلح دنياهم بفساد آخرتك فإنّ أعظم الناس غبنا من باع آخرته بدنيا غيره، فقال سليمان: يا أعرابيّ لقد سللت لسانك و هو أقطع من سيفك، فقال: أجل يا أمير المؤمنين و لكن ذلك لك لا عليك.
و حكي أنّ أبا بكرة دخل على معاوية فقال: اتّق اللّه يا معاوية و اعلم أنّك في كلّ يوم يخرج عنك و في كلّ ليلة تأتي عليك لا تزداد من الدّنيا إلّا بعدا و من الآخرة إلّا قربا و إنّ على إثرك طالبا لا تفوته و قد نصب لك علما لا تجوزه فما أسرع ما يبلغ العلم و ما أوشك ما يلحق بك الطالب و إنّا و ما نحن فيه زائل و ما نحن صائرون إليه باق، إن خيرا فخير و إن شرا فشرّ.
فهكذا كان دخول أهل العلم على السلاطين أعني علماء الآخرة، و أمّا علماء الدّنيا فيدخلون ليتقرّبوا إلى قلوبهم فيدلّونهم على الرّخص و يستنبطون بدقائق الحيل طرق السعة فيما يوافق أغراضهم و إن تكلّموا بمثل ما ذكرناه في معرض الوعظ لم يكن قصدهم الإصلاح بل اكتساب الجاه و القبول عندهم و في هذا غرور ان يغترّ بهما الحمقى، أحدهما أن يظهر أنّ قصدي في الدّخول عليهم إصلاحهم بالوعظ.
و إنّما يلبّسون على أنفسهم بذلك و إنّما الباعث لهم شهوة خفيّة للشهرة و تحصيل المعرفة عندهم، و علامة الصدق في طلب الصلاح أنّه لو تولّى ذلك الوعظ غيره ممّن هو من أقرانه من العلماء و وقع به موقع القبول و ظهر به أثر الصلاح فينبغي أن يفرح
المحجة