المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣٣٩
العفو و الاحتمال بل كلّ ما يحتمل تنزيله على وجه حسن و يتصوّر تمهيد عذر فيه قريب أو بعيد فهو واجب بحقّ الأخوّة فقد قيل: ينبغي أن تستنبط لزلّة أخيك سبعين عذرا فان لم يقبله قلبك فتقول لقلبك: ما أقساك يعتذر إليك أخوك سبعين عذرا فلا تقبله فأنت المعتب لا أخوك، فان ظهر بحيث لم يقبل التحسين فينبغي أن لا تغضب إن قدرت و لكن ذلك لا يمكن، و قد قيل: من استغضب و لم يغضب فهو حمار، و من استرضى فلم يرض فهو شيطان، فلا تكن حمارا و لا شيطانا و استرض قلبك بنفسك نيابة عن أخيك و احترز أن تكون شيطانا إن لم تقبل، و قد قيل:
خذ من خليلك ما صفى دون الّذي فيه الكدر
فالعمر أقصر من معاتبة الخليل على العثر
و مهما اعتذر أخوك كاذبا أو صادقا فاقبل عذره، قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «من اعتذر إليه أخوه فلم يقبل فعليه مثل إثم صاحب المكس» [١].
و قد قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «المؤمن سريع الغضب سريع الرّضا» فلم يصفه بأنّه لا يغضب و قد قال اللّه تعالى «وَ الْكاظِمِينَ الْغَيْظَ» [٢] و لم يقل: و الفاقدين الغيظ و هذا لأنّ العادة لا تنتهي إلى أن يجرح الإنسان فلم يتألّم، بل ينتهي إلى أن يصبر عليه و يحتمل و كما أن التألّم بالجرح مقتضى طبع البدن فالتألّم بأسباب الغضب طبع للقلب لا يمكن قلعه و لكن يمكن ضبطه و كظمه و العمل بخلاف مقتضاه فإنّه يقتضي التشفّي و الانتقام و المكافاة و ترك العمل بمقتضاه ممكن و قال الشاعر:
و لست بمستبق أخا لا تلمّه
على شعث أيّ الرّجال المهذّب
قال أبو سليمان لاحمد بن أبي الحواري: إذا آخيت أخا في هذا الزّمان فلا تعاتبه على ما تكرهه فإنك لا تأمن أن ترى في جوابك ما هو شرّ من الأوّل، قال:
فجرّبته فوجدته كذلك، و قال بعضهم: الصبر على مضض الأخ خير من معاتبته، و المعاتبة خير من القطيعة، و القطيعة خير من الوقيعة، و ينبغي أن لا يبالغ في البغض عند الوقيعة، قال اللّه تعالى: «عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً»
[١] أخرجه ابن ماجه تحت رقم ٣٧١٨ من حديث جوزان. و صاحب المكس: العشار.
[٢] آل عمران: ١٣٤.
المحجة