المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٤٤٠
فقال: و أيّ شيء رأيت في الإسلام؟ قلت: قول اللّه تعالى: «ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَ لَا الْإِيمانُ وَ لكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا» [١].
فقال: لقد هداك اللّه ثمّ قال: اللّهمّ اهده- ثلاثا- سل عمّا شئت يا بنيّ فقلت:
إنّ أبي و امّي على النّصرانيّة و أهل بيتي، و امّي مكفوفة البصر فأكون معهم و آكل في آنيتهم؟ فقال: يأكلون لحم الخنزير؟ فقلت: لا و لا يمسّونه فقال: لا بأس [٢]، فانظر أمّك فبرّها فإذا ماتت فلا تكلها إلى غيرك كن أنت الّذي تقوم بشأنها، و لا تخبرنّ أحدا أنّك أتيتني حتّى تأتيني بمنى إن شاء اللّه تعالى قال:
فأتيته بمنى و الناس حوله كأنّه معلّم صبيان [٣] هذا يسأله و هذا يسأله فلمّا قدمت الكوفة لطفت لامّي و كنت أطعمها و افلّي ثوبها و رأسها [٤] و أخدمها، فقالت لي:
يا بنيّ ما كنت تصنع بي هذا و أنت على ديني فما الّذي أرى منك منذ هاجرت فدخلت في الحنيفيّة؟ فقلت: رجل من ولد نبيّنا أمرني بهذا، فقالت: هذا الرّجل هو نبيّ؟ فقلت: لا و لكنّه ابن نبيّ فقالت: لا يا بنيّ هذا نبيّ إنّ هذه وصايا الأنبياء، فقلت: يا أمّه إنّه ليس يكون بعد نبيّنا نبيّ و لكنّه ابن نبيّ فقالت:
يا بنيّ دينك خير دين اعرضه عليّ فعرضته عليها فدخلت في الإسلام، و علّمتها فصلّت الظهر و العصر و العشاء الآخرة ثمّ عرض بها عارض في اللّيل فقالت: يا بنيّ أعد عليّ ما علّمتني، فأعدت عليها فأقرّت به و ماتت فلمّا أصبحت كان المسلمون الّذين غسّلوها و كنت أنا الّذي صلّيت عليها و نزلت في قبرها» [٥].
[١] الشورى: ٥٢.
[٢] قيل: تجويزه عليه السّلام الأكل في آنية أهل الكتاب معهم لا يدل على طهارتهم و طهارة طعامهم مع مباشرتهم له بالرطوبة و لا عدم سراية النجاسة لامكان أن يأكل في آنيتهم طعاما طاهرا مع عدم مباشرتهم لما يأكله برطوبة و ان كان خلاف الظاهر فلا ينافي ما هو المشهور فتوى، و له رواية في نجاستهم و نجاسة ما باشروه بالرطوبة.
[٣] كأن التشبيه في كثرة اجتماعهم و سؤالهم و لطفه عليه السّلام في جوابهم و كونهم عنده بمنزلة الصبيان في احتياجهم إلى المعلم.
[٤] فلي تفلية ثوبه أو رأسه: نقاها عن القمل.
[٥] الكافي ج ٢ باب البر بالوالدين ص ١٥٧ تحت رقم ١١.
المحجة