المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٤٣٧
و قال عبد اللّه بن شدّاد: «بينما رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يصلّي بالناس إذ جاءه الحسين فركب عنقه و هو ساجد فأطال السجود بالناس حتّى ظنّوا أنّه قد حدث أمر، فلمّا قضى صلاته قالوا: أطلت السجود حتّى ظننّا أنّه قد حدث أمر، فقال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: إنّ ابني قد ارتحلني فكرهت أن اعجّله قبل أن يقضي حاجته» [١].
و قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «ريح الولد من ريح الجنّة» [٢].
فهذه هي الأخبار الدّالّة على تأكّد حقّ الأبوين، و كيفيّة القيام بحقّهما تعرف ممّا ذكرناه في حقّ الاخوّة فإن هذه الرّابطة آكد من الاخوّة، بل يزيد هاهنا أمران: أحدهما أنّ أكثر العلماء على أنّ طاعة الأبوين واجبة في الشبهات و إن لم تجب في الحرام المحض حتّى إذا كانا يتنغّصان بانفرادك عنهما في الطعام فعليك أن تأكل معهما، لأنّ ترك الشبهات ورع و رضا الوالدين حتم، و كذلك ليس لك أن تسافر في مباح أو نافلة إلّا بإذنهما و الخروج لطلب العلم نفل إلّا إذا كنت تطلب علم الفرض من الصلاة و الصوم و لم يكن في بلدك من يعلّمك، و ذلك كمن يسلم ابتداء في بلد ليس فيها من يعلّمه شرع الإسلام فعليه الهجرة و لا يتقيّد بحقّ الوالدين، قال أبو سعيد الخدريّ: «هاجر رجل إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم من اليمن و أراد الجهاد، فقال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: فارجع إلى أبويك فاستأذنهما فإن فعلا فجاهد و إلا فبرّهما ما استطعت فإنّ ذلك خير ما تلقى اللّه به بعد التوحيد» [٣].
و جاء آخر إليه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ليستشيره في الغزو فقال: أ لك والدة؟ قال: نعم، قال: فالزمها فإنّ الجنّة تحت قدمها» [٤].
و جاء آخر يطلب البيعة على الهجرة و قال: ما جئتك حتّى أبكيت والديّ
[١] أخرجه النسائي ج ٢ ص ٢٣٠ من حديث عبد اللّه بن شداد عن أبيه.
[٢] أخرجه الطبراني في الأوسط من حديث ابن عباس بسند ضعيف كما في الجامع الصغير.
[٣] أخرجه أبو داود ج ٢ ص ١٧ دون قوله: «ما استطعت إلخ».
[٤] أخرجه ابن ماجه تحت رقم ٢٧٨١، و النسائي ج ٦ ص ١١.
المحجة