المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣٤٩
فعلت ذلك أصبت بركة العيش و حلاوة الطاعة فإنّ في المشورة تعبا، و العاقل من يستفيد منها علما جديدا و يستدلّ به على المحصول من المراد، و مثل المشورة مع أهلها مثل التفكّر في خلق السماوات و الأرض و فنائهما و هما غيبان عن العبد لأنّه كلّما قوي تفكّره فيهما و غاص في بحر نور المعرفة ازداد بهما اعتبارا و يقينا، و لا تشاور من لا يصدّقه عقلك و إن كان مشهورا بالعقل و الورع، و إذا شاورت من يصدّقه قلبك فلا تخالفه فيما يشير به عليك و إن كان بخلاف مرادك فإنّ النفس تجمح عند قول الحقّ و خلافها عند الحقائق أبين».
قال أبو حامد: «فهذا جامع حقوق الصحبة و قد أجملناه مرّة و فصّلناه أخرى و لا يتمّ ذلك إلّا بأن تكون على نفسك للإخوان و لا تكون لنفسك عليهم و أن تنزّل نفسك منزلة الخادم لهم فتقيّد بحقوقهم جميع جوارحك.
أمّا البصر فبأن تنظر إليهم نظر مودّة يعرفونها منك و تنظر إلى محاسنهم و تتعامى عن عيوبهم و لا تصرف بصرك عنهم في وقت إقبالهم عليك و كلامهم معك، روي أنّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «كان يعطي كلّ من جلس إليه نصيبا من وجهه» [١] و ما استصغاه أحد إلّا ظنّ أنّه أكرم الناس عليه حتّى كان مجلسه و سمعه و حديثه و لطيف مسألته و توجّهه للجالس إليه و كان مجلسه مجلس حياء و تواضع و أمانة و كان صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أكثر الناس تبسّما و ضحكا في وجوه أصحابه و تعجّبا ممّا حدّثوا به و كان ضحك أصحابه عنده التبسّم اقتداء منهم بفعله و توقيرا له.
و أمّا السمع فبأن تسمع كلامهم متلذّذا بسماعه و مصدّقا به و مظهرا للاستبشار و لا تقطع حديثهم عليهم بمرادّة و منازعة و مداخلة و إعراض فإن أرهقك عارض اعتذرت إليهم و تحرس سمعك عن سماع ما يكرهون.
و امّا اللّسان فقد ذكرنا حقوقه فإنّ القول فيه يطول و من ذلك أن لا يرفع صوته عليهم، و لا يخاطبهم إلّا بما يفهمون.
[١] في الكافي ج ٢ ص ٦٧١ بإسناده «كان رسول اللّه عليه و آله يقسم لحظاته بين أصحابه فينظر إلى ذا و ينظر إلى ذا بالسوية».
المحجة