المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣٤٥
منه، و أخفّهم على قلبي من أكون معه كما أكون وحدي».
و قال الفضيل: إنّما يقاطع الناس بالتكلّف يزور أحدهما أخاه فيتكلّف له فيقطعه ذلك عنه.
و قال الجنيد: ما تواخى اثنان في اللّه تعالى فاستوحش أحدهما من صاحبه أو احتشم إلّا لعلّة في أحدهما.
و قيل لبعضهم: من تصحب؟ قال: من يرفع عنك ثقل التكلّف و يسقط بينك و بينه مئونة التحفّظ.
و قال بعض الصوفيّة: لا تعاشر من الناس إلّا من لا تزيد عنده ببرّ و لا تنقص عنده بإثم، يكون ذلك لك و عليك و أنت عنده سواء، و إنّما قال هذا لأنّ به يتخلّص عن التكلّف و التحفّظ و إلّا فالطبع يحمله على أن يتحفّظ منه إذا علم أنّ ذلك ينقصه عنده.
و قال بعضهم: كن مع أبناء الدّنيا بالأدب، و مع أبناء الآخرة بالعلم، و مع العارفين كيف شئت، و قال آخر: لا تصحب إلّا من يتوب عنك إذا أذنبت و يعتذر إليك إذا أسأت و يحمل عنك مئونة نفسك و يكفيك مئونة نفسه، و قائل هذا قد ضيّق طريق الاخوّة على الناس و ليس الأمر كذلك بل ينبغي أن يواخي كلّ متديّن عاقل و يعزم على أن يقوم بهذه الشروط و لا يكلّف غيره هذه الشروط حتّى تكثر إخوانه؟؟؟؟؟ إذ به يكون مواخيا في اللّه، و إلّا كانت مواخاته لحظوظ نفسه فقطّ و لذلك قال رجل للجنيد: قد عزّ الاخوان في هذا الزّمان أين أخ في اللّه؟ فأعرض الجنيد عنه حتّى أعاده ثلاثا فلمّا أكثر قال له: إن أردت أخا يكفيك مئونتك و يحتمل أذاك فهذا لعمري قليل، و إن أردت أخا في اللّه تحمّل أنت مئونته و تصبر على أذاه فعندي جماعة اعرّفهم لك فسكت الرّجل.
و اعلم أنّ الناس ثلاثة: رجل تنتفع بصحبته، و رجل تقدر على أن تنفعه و لا تتضرّر به و لكن لا تنتفع به، و رجل لا تقدر أيضا على أن تنفعه و هو الأحمق أو السيّئ الخلق فهذا الثالث ينبغي أن يجتنب، فأمّا الثاني فلا تجتنبه لأنّك تنتفع في الآخرة بشفاعته و بدعائه و بثوابك على القيام به، و قد أوحى اللّه تعالى إلى موسى
المحجة