المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣٤٤
شديد الجزع من المفارقة، نفور الطبع عن أسبابها كما قيل:
وجدت مصيبات الزمان جميعها
سوى فرقة الأحباب هيّنة الخطب
فأنشد ابن عيينة هذا البيت و قال: لقد عهدت أقواما فارقتهم منذ ثلاثين سنة ما يخيّل إليّ أنّ حسرتهم ذهبت من قلبي.
و من الوفاء أن لا يسمع بلاغات الناس على صديقه لا سيّما من يظهر أوّلا أنّه محبّ لصديقه كيلا يتّهم ثمّ يلقي الكلام عرضا و ينقل عن الصديق ما يوغر القلب، فذلك من دقائق الحيل في التضريب، و من لا يحترز منه لم يدم مودّته أصلا.
قال واحد لحكيم: قد جئت خاطبا لمودّتك، قال: إن جعلت مهرها ثلاثا فعلت: لا تسمع عليّ بلاغة، و لا تخالفني في أمر، و لا توطئني عشوة في اللّه.
و من الوفاء أن لا تصادق عدوّ صديقك فقد قيل: إذا أطاع صديقك عدوّك فقد اشتركا في عداوتك.
الحق الثامن التخفيف و ترك التكليف
و ذلك أن لا يكلّف أخاه ما يشقّ عليه، بل يروّح سرّه من مهمّاته و حاجاته و يرفّهه عن أن يحمله شيئا من أعبائه و لا يستمدّ منه من جاه و لا مال و لا يكلّفه التواضع له و التفقّد و القيام بحقوقه بل لا يقصد بمحبّته إلّا اللّه تعالى تبرّكا بدعائه، و استيناسا بلقائه، و استعانة على دينه و تقرّبا إلى اللّه بالقيام بحقوقه و تحمّل مئونته.
و قال بعضهم: من اقتضى من إخوانه ما لا يقتضونه فقد ظلمهم، و من اقتضى مثل ما يقتضونه فقد أتبعهم، و من لم يقض فهو المتفضّل عليهم.
و قال بعض الحكماء: من جعل نفسه عند الإخوان فوق قدره أثم و أثموا.
و من جعل نفسه في قدره تعب و أتعبهم و من جعلها دون قدره سلم و سلموا و تمام التخفيف بطيّ بساط التكليف حتّى لا يستحي منه فيما لا يستحي من نفسه.
قال عليّ عليه السلام: «شرّ الأصدقاء من تكلّف لك و من أحوجك إلى مداراة و ألجأك إلى اعتذار».
و كان جعفر بن محمّد عليهما السّلام يقول: «أثقل إخواني عليّ من يتكلّف لي و أتحفّظ
المحجة