المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣٣٦
الحق الخامس العفو عن الزلّات و الهفوات
و هفوة الصديق لا يخلو إمّا أن يكون في دينه بارتكاب معصية أو في حقّك بتقصير في الاخوّة أمّا ما يكون في الدّين من ارتكاب معصية و الإصرار عليها فعليك التلطّف في نصحه بما يقيم أوده و يجمع شمله و يعيد إلى الصلاح و الورع حاله، فان لم تقدر و بقي مصرّا فقد اختلفت طرق الصحابة و التابعين في إدامة حقّ مودّته أو مقاطعته فذهب أبو ذر رضي اللّه عنه إلى الانقطاع و قال: إذا انقلب أخوك عمّا كان عليه فأبغضه من حيث أحببته و رأى ذلك من مقتضى الحبّ في اللّه و البغض في اللّه.
و أمّا أبو الدرداء و جماعة من الصحابة فذهبوا إلى خلافه، فقال أبو الدّرداء: إذا تغيّر أخوك و حال عمّا كان عليه فلا تدعه لأجل ذلك فإنّ أخاك يعوج مرّة و يستقيم أخرى.
و قال إبراهيم النخعيّ لا تقطع أخاك و لا تهجره عند الذّنب يذنبه فإنّه يركبه اليوم و يتركه غدا.
و قال أيضا: «لا تحدّثوا الناس بزلّة العالم فإنّ العالم يزلّ الزلّة ثمّ يتركها.
و في الخبر «اتّقوا زلّة العالم و لا تقطعوه و انتظروا فيئته» [١].
و حكي أنّ أخوين ابتلى أحدهما بهوى فأظهر عليه أخاه و قال: إنّي اعتللت فإن شئت أن لا تعقد على صحبتي للَّه فافعل، فقال: ما كنت لأحلّ عقد اخوّتك لأجل خطيئتك أبدا ثمّ عقد أخوه بينه و بين اللّه أن لا يأكل و لا يشرب حتّى يعافي اللّه أخاه من هواه فطوى أربعين يوما في كلّها يسأله عن هواه فكان يقول: القلب مقيم على حاله و ما زال هو ينحلّ من الغمّ و الجوع حتّى زال الهوى عن قلب أخيه بعد الأربعين فأخبره بذلك فأكل و شرب بعد أن كاد يتلف هزلا و ضرّا.
و كذلك حكي عن آخرين من السلف انقلب أحدهما عن الاستقامة فقيل لأخيه: ألا تقطعه و تهجره؟ فقال: أحوج ما كان إليّ في هذا الوقت لما وقع في عثرته أن آخذ بيده و أتلطّف له في المعاتبة و أدعو له بالعود إلى ما كان عليه.
[١] أخرجه البيهقي في السنن و ابن عدى في الكامل كما في الجامع الصغير.
المحجة