المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣٣٤
تركه و تخوّفه بما يكره في الدنيا و الآخرة لينزجر عنه و تنبّهه على عيوبه و تقبّح القبيح في عينه و تحسّن الحسن و لكن ينبغي أن يكون ذلك في سرّ لا يطّلع عليه أحد فما كان على الملإ فهو توبيخ و فضيحة و ما كان في السرّ فهو شفقة و نصيحة، إذ قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «المؤمن مرآة المؤمن» [١] أي يرى منه ما لا يرى من نفسه، فيستفيد المرء بأخيه معرفة عيوب نفسه و لو انفرد لم يستفد كما يستفيد بالمرآة الوقوف على عيوب صورته الظاهرة.
و قيل لمسعر: تحبّ من يخبرك بعيوبك؟ فقال: إن نصحني فيما بيني و بينه فنعم و إن قرعني بين الملإ فلا. و قد صدق فإنّ النصح على الملإ إفضاح و اللّه تعالى يعاتب المؤمن يوم القيامة تحت كنفه في ظلّ ستره فيوافقه على ذنوبه سرّا و قد يدفع كتاب عمله مختوما إلى الملائكة الّذين يحفّون به إلى الجنّة فإذا قاربوا باب الجنّة أعطوه الكتاب مختوما ليقرأه و أمّا أهل المقت فينادون على رءوس الأشهاد و يستنطق جوارحهم بفضائحهم فيزدادون بذلك خزيا و افتضاحا و نعوذ باللّه من الخزي يوم العرض الأكبر فالفرق بين التوبيخ و النصيحة بالإسرار و الإعلان كما أنّ الفرق بين المداراة و المداهنة بالغرض الباعث على الإغضاء فإن أغضيت لسلامة دينك و لما ترى فيه من إصلاح أخيك بالإغضاء فأنت مدار و إن أغضيت لحظّ نفسك و اجتلاب شهواتك و سلامة جاهك فأنت مداهن.
و قال ذو النّون: لا تصحب مع اللّه إلّا بالموافقة، و لا مع الخلق إلّا بالمناصحة و لا مع النفس إلّا بالمخالفة، و لا مع الشيطان إلّا بالعداوة.
فإن قلت: إذا كان في النصح ذكر العيوب و فيه إيحاش للقلب فكيف يكون ذلك في حقّ الاخوّة؟ فاعلم أنّ الإيحاش إنّما يحصل بذكر عيب يعلمه أخوك من نفسه فأمّا تنبيهه على ما لا يعلمه فهو عين الشفقة و هو استمالة القلوب أعني قلوب العقلاء و أمّا الحمقى فلا يلتفت إليهم فإنّ من نبّهك على مذموم تعاطيته أو صفة
[١] أخرجه البخاري في الادب و الطبراني في الأوسط و أبو داود في السنن كما في الجامع الصغير.
المحجة