المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣٢٦
و لا تدابروا و كونوا عباد اللّه إخوانا» [١] و التجسّس في تطّلع الأخبار و التحسّس في المراقبة بالعين فستر العيوب و التجاهل و التغافل عنها شيمة أهل الدّين و يكفيك تنبيها على كمال الرتبة في ستر القبيح و إظهار الجميل أنّ اللّه تعالى وصف به في الدّعاء فقيل: يا من أظهر الجميل و ستر القبيح، و المرضيّ عند اللّه من تخلّق بأخلاقه و إنّه ستّار العيوب و غفّار الذنوب و متجاوز عن العبيد فكيف لا تتجاوز أنت عمّن هو مثلك أو فوقك و ما هو بكلّ حال عبدك و مخلوقك و قد قال عيسى عليه السّلام: كيف تصنعون إذا رأيتم أخاكم نائما فكشفت الريح عنه ثوبه؟ قالوا:
نستّره و نغطّيه قال: بل تكشفون عورته قالوا: سبحان اللّه من يفعل هذا؟ فقال:
أحدكم يسمع في أخيه الكلمة فيزيد عليها و يشيعها بأعظم منها.
و اعلم أنّه لا يتمّ إيمان المرء ما لم يحبّ لأخيه ما يحبّه لنفسه و أقلّ درجات الإيمان أن يعامل أخاه بما يحبّ أن يعامله به و لا شكّ في أنّه ينتظر منه ستر العورة و السكوت عن المساوي و العيوب و لو ظهر له منه نقيض ما ينتظره اشتدّ عليه غيظه و غضبه فما أبعده عن الحقّ إذا كان ينتظر منه ما لا يضمره له و لا يعزم عليه لأجله و ويل له في نصّ كتاب اللّه تعالى حيث قال: «وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ. الَّذِينَ إِذَا اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ. وَ إِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ» [٢] فكلّ من يلتمس الإنصاف أكثر ممّا تسمح به نفسه فهو داخل تحت مقتضى هذه الآية و منشأ التقصير في ستر العورة أو السعي في كشفها الدّاء الدّفين في الباطن و هو الحقد و الحسد فإنّ الحقود و الحسود يمتلي باطنه بالخبث و لكنّه يحبسه في باطنه و يخفيه و لا يبديه مهما لم يجد مجالا فإذا وجد فرصة انحلّت الرابطة و ارتفع الحياء و رشح الباطن بخبثه الدّفين و مهما انطوى الباطن على حقد و حسد فالانقطاع أولى.
قال بعض الحكماء: ظاهر العتاب خير من مكنون الحقد و لا يزيد لطف الحقود إلّا وحشة منه و من في قلبه سخيمة على مسلم فإيمانه ضعيف و أمره مخطر
[١] أخرجه البخاري ج ٨ ص ٢٣ و هو من تتمة الحديث الذي رواه مسلم قبله.
[٢] المطففين ٢ إلى ٤.
المحجة