المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣٢٤
أحدهما أن تطالع أحوال نفسك فإن وجدت فيها شيئا واحدا مذموما فهوّن على نفسك ما تراه من أخيك و قدّر أنّه عاجز عن قهر نفسه في تلك الخصلة الواحدة كما أنّك عاجز فيما أنت مبتلى به، و لا تستقلّه بخصلة واحدة مذمومة، فأيّ الرجال المهذّب، و كلّ ما لا تصادفه من نفسك في حقّ اللّه فلا تنتظره من أخيك في حقّ نفسك فليس حقّك عليه بأكثر من حقّ اللّه عليه، و الأمر الثاني أن تعلم أنّك لو طلبت منزّها من كلّ عيب اعتزلت عن الخلق كافّة و لم تجد من تصاحبه أصلا فما من أحد إلّا و له محاسن و مساوي، فإذا غلبت المحاسن المساوي فهو الغاية و المنتهى، فالمؤمن الكريم أبدا يحضر في نفسه محاسن أخيه لينبعث في قلبه التوقير و الودّ و الاحترام، و أمّا المنافق اللّئيم فإنّه أبدا يلاحظ المساوي و العيوب، قال ابن المبارك: المؤمن يطلب المعاذير و المنافق يطلب العثرات. و قال الفضيل: الفتوّة الصفح عن زلاّت الإخوان و لذلك قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «استعيذوا باللّه من جار سوء الّذي إن رأى خيرا ستره و إن رأى شرّا أظهره» [١] و ما من شخص إلّا و يمكن تحسين حاله بخصال فيه و يمكن تقبيحه أيضا.
و روي «أنّ رجلا أثنى على رجل عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فلمّا كان من الغد ذمّه فقال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: أنت بالأمس تثني عليه و اليوم تذمّه؟ فقال: و اللّه لقد صدقت عليه بالأمس و ما كذبت عليه اليوم إنّه أرضاني بالأمس فقلت: أحسن ما علمت فيه و أغضبني اليوم فقلت: أقبح ما علمت فيه، فقال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: إنّ من البيان لسحرا» [٢] و كأنّه كره ذلك فشبّهه بالسحر و لذلك قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في خبر آخر: «البذاء و البيان
[١] أخرجه البخاري في التأريخ من حديث أبي هريرة بسند ضعيف كما في المغني.
قال العراقي: أخرجه البخاري في التأريخ من حديث أبي هريرة بسند ضعيف.
أقول: و للنسائي ج ٨ ص ٢٧٤ من حديث أبي هريرة هكذا «تعوذ باللّه من جار السوء في دار المقام فان جار البادية يتحول عنك».
[٢] أخرجه الطبراني في الأوسط و الحاكم في المستدرك من حديث أبي بكرة الا أنه ذكر المدح و الذم في مجلس واحد لا في يومين و رواه الحاكم من حديث ابن عباس أيضا بسند ضعيف كما في المغني.
المحجة