المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣١٤
فلذلك تكره صحبة طلّاب الدنيا، و يستحبّ صحبة الراغبين في الآخرة.
قال عليّ عليه السّلام: «أحيوا الطباع بمجالسة من يستحيي منه» [١].
و قال لقمان: «يا بنيّ جالس العلماء فزاحمهم بركبتيك فإنّ القلوب تحيي بالحكمة كما تحيي الأرض الميتة بوابل المطر» [٢].
(١) أقول: و في الكافي عن الصادق عن آبائه عليه السّلام قال: «قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ثلاثة مجالستهم تميت القلب: الجلوس مع الأنذال، و الحديث مع النساء، و الجلوس مع الأغنياء» [٣].
قال أبو حامد: «و أمّا حسن الخلق فقد جمعه علقمة العطارديّ في وصيّته لابنه لمّا حضرته الوفاة قال: يا بنيّ إن عرضت لك إلى صحبة الرجال حاجة فاصحب من إذا خدمته صانك، و إذا صحبته زانك، و إن قعدت بك مئونة مانك، اصحب من إذا مددت يدك بخير مدّها، و إن رأى منك حسنة عدّها، و إن رأى سيّئة سدّها، اصحب من إذا سألته أعطاك، إذا سكتّ ابتدأك، و إذا نزلت بك نازلة واساك، اصحب من إذا قلت صدّق قولك، و إذا صلت شدّ صولك، من لا تأتيك منه البوائق، و لا يلتبس عليك منه الطرائق، و لا يخذلك عند الحقائق، و إن حاولتما أمرا آمرك و إن تنازعتما آثرك» و كأنّه جمع بهذا الكلام جميع حقوق الصحبة و شرط أن يكون قائما بجميعها.
قال ابن أكثم: قال المأمون: فأين هذا؟ فقيل له: أ تدري لم أوصاه بذلك؟
قال: لا، قال: لأنّه أراد أن لا يصحب أحدا.
و قال بعض الأدباء لا تصحب من الناس إلّا من يكتم سرّك، و يستر عليك عيبك، و يكون معك في النوائب، و يؤثرك في الرغائب، و ينشر حسنتك، و يطوي سيّئتك، فإن لم تجده فلا تصحب إلّا نفسك.
[١] ما عثرت على أصل له.
[٢] رواه الفتال في روضة الواعظين مرسلا ص ١٥ باب ماهية العلوم.
[٣] المصدر ج ٢ ص ٦٤١.
المحجة البيضاء، جلد٣، ص: ٣١٥
و قال عليّ عليه السّلام رجزا:
إنّ أخاك الحقّ من كان معك
و من يضرّ نفسه لينفعك
و من إذا ريب الزّمان صدعك
شتّت فيه شمله ليجمعك
و قال بعضهم: الناس أربعة: فواحد حلو كلّه و لا يشبع منه، و آخر مرّ كلّه فلا يؤكل منه، و آخر فيه حموضة فخذ من هذا قبل أن يأخذ منك، و آخر فيه ملوحة فخذ منه وقت الحاجة فقط.
و قال جعفر الصادق عليه السّلام: «لا تصحب خمسة الكذّاب فإنّك منه على غرور، و هو مثل السراب يقرّب منك البعيد، و يبعد منك القريب، و الأحمق فإنّك لست منه على شيء يريد أن ينفعك فيضرّك، و البخيل فإنّه يقطع بك أحوج ما تكون إليه، و الجبان فإنّه يسلمك و يفرّ عند الشدّة، و الفاسق فإنّه يبيعك بأكلة أو أقلّ منها، فقيل: و ما أقلّ منها؟ قال: الطمع فيها ثمّ لا ينالها».
[١] أقول: و هذا الحديث مرويّ في الكافي [١] على اختلاف في ألفاظه و أسنده الصادق عليه السّلام إلى جدّه عليّ بن الحسين عليهما السّلام و ذكر بدل الجبان القاطع لرحمه و قال: فإنّي وجدته ملعونا في كتاب اللّه تعالى في ثلاثة مواضع، قال اللّه تعالى «فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَ تُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ. أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَ أَعْمى أَبْصارَهُمْ» [٢] و قال: «وَ الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَ يَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَ لَهُمْ سُوءُ الدَّارِ» [٣] و قال في البقرة: «الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَ يَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ» [٤].
[١] المجلد الثاني ج ٢ ص ٣٧٦ تحت رقم ٧.
[٢] سورة محمد: ٢٢ و ٢٣. و قوله تعالى: «فَأَصَمَّهُمْ اى تركهم و ما هم عليه من التصأم عن استماع الحق و سلوك طريقه».
[٣] الرعد: ٢٥ و سُوءُ الدَّارِ سوء عاقبة الدار او عذاب جهنم.
[٤] السورة آية ٢٧.
المحجة