المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣١٢
قال أبو حامد: و أمّا حسن الخلق فلا بدّ منه إذ ربّ عاقل يدرك الأشياء على ما هي عليه و لكن إذا غلبه غضب أو شهوة أو بخل أو جبن أطاع هواه و خالف ما هو المعلوم عنده لعجزه عن قهر صفاته و تقويم أخلاقه فلا خير في صحبته، و أمّا الفاسق المصرّ على الفسق فلا فائدة في صحبته لأنّ من يخاف اللّه علانيته مثل سرّه لا يصرّ على كبيرة، و من لا يخاف اللّه لا تؤمن غائلته و لا يوثق بصداقته بل يتغيّر بتغيّر الأغراض، قال تعالى: «وَ لا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَ اتَّبَعَ هَواهُ وَ كانَ أَمْرُهُ فُرُطاً» [١] و قال تعالى: «فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا وَ لَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَياةَ الدُّنْيا» [٢] و قال عزّ و جلّ «وَ اتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَّ» [٣] و في مفهوم ذلك زجر عن الفسق، و لأنّ مشاهدة الفسق و الفسّاق تهوّن أمر المعصية على القلب و تبطل نفرة القلب عنها.
قال سعيد بن المسيّب: لا تنظروا إلى الظلمة فيحبط أعمالكم الصالحة. بل لا سلامة في مخالطتهم و إنّما السلامة في الانقطاع عنهم قال اللّه تعالى: «وَ إِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً» [٤] أي سلامة و الألف بدل من الهاء و معناه أنّا سلمنا من إثمكم و أنتم سلمتم من شرّنا».
(١) أقول: قد مرّ حديث عن أهل البيت في ذلك.
و في الكافي رفعه قال: قال لقمان لابنه: «يا بنيّ لا تقرب فيكون أبعد لك و لا تبعد فتهان، كلّ دابّة تحبّ مثلها و إنّ ابن آدم يحبّ مثله و لا تنشر بزّك إلّا عند باغيه كما ليس بين الذئب و الكبش خلّة، كذلك ليس بين البارّ و الفاجر خلّة، من يقترب من الزفت يعلّق به بعضه كذلك من يشارك الفاجر يتعلّم من طرقه، من يحبّ المراء يشتم، و من يدخل مداخل السوء يتّهم، من يقارن قرين السوء لا يسلم، و من لا يملك لسانه يندم» [٥]. قال أبو حامد:
[١] الكهف: ٢٨.
[٢] النجم: ٢٩.
[٣] لقمان: ١٥.
[٤] الفرقان: ٦٣.
[٥] المصدر ج ٢ ص ٦٤١ و قوله «لا تقرب» يعنى من الناس بكثرة المخالطة و المعاشرة فيسأموك و يملوك فتكون أبعد من قلوبهم، و لا تبعد كل البعد فلم يبالوا بك فتصير مهينا مخذولا. و البز بالزاي: المتاع، و الباغي: الطالب.
المحجة