المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣٠٥
و الإعانة، فهل يجب ذلك حتى يعصى اللّه العبد بتركه؟ فأقول: لا يدخل ذلك في ظاهر العلم تحت التكليف و الإيجاب، فإنّا نعلم أنّ الّذين شربوا الخمر و تعاطوا الفواحش في زمان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و الصحابة ما كانوا يهجرون بالكلّيّة بل كانوا منقسمين فيه إلى من يغلظ له في القول و يظهر البغض و إلى من يعرض عنه و لا يتعرّض به و إلى من ينظر إليه بعين الرّحمة و لا يؤثر المقاطعة و المباعدة، فهذه دقائق دينيّة يختلف فيها طرق السالكين لطريق الآخرة و يكون عمل كلّ واحد على ما يقتضيه حاله و وقته، و مقتضى الأحوال في هذه الأمور إمّا مكروهة و إمّا مندوبة فتكون في رتبة الفضائل و لا تنتهي إلى التحريم و الإيجاب، فإنّ الدّاخل تحت التكليف أصل المعرفة باللّه و أصل الحبّ، و ذلك قد يتعدّى من المحبوب إلى غيره و إنّما المتعدّي إفراط الحبّ و استيلاؤه و ذلك لا يدخل في الفتوى و تحت ظاهر التكليف في حقّ عوامّ الخلق أصلا.
بيان مراتب الذين يبغضون في اللّه و كيفية معاملتهم
فإن قلت: إظهار البغض و العداوة بالفعل إن لم يكن واجبا فلا شكّ أنّه مندوب إليه و العصاة و الفسّاق على مراتب مختلفة فكيف ينال الفضل بمعاملتهم و هل يسلك بجميعهم مسلكا واحدا أم لا؟ فاعلم أنّ المخالف لأمر اللّه سبحانه لا يخلو إمّا أن يكون مخالفا في عقده أو في عمله و المخالف في العقد إمّا مبتدع أو كافر، و المبتدع إمّا داع إلى بدعته أو ساكت، و الساكت إمّا لعجزه أو باختياره.
فأقسام الفساد في الاعتقاد ثلاثة: الأوّل الكفر، و الكافر إن كان حربيّا فهو مستحقّ للقتل أو الاسترقاق، و ليس بعد هذين إهانة، و أمّا الذمّي فإنّه لا يجوز إيذاؤه إلّا بالإعراض عنه و التحقير له بالاضطرار إلى أضيق الطرق و بترك المفاتحة بالسلام فإذا قال: السلام عليك قلت: و عليك و الأولى الكفّ عن مخالطته و معاملته و مؤاكلته فأمّا الانبساط معه و الاسترسال إليه كما يسترسل إلى الأصدقاء فهو مكروه كراهة شديدة يكاد ينتهي ما يقوى منها إلى حدّ التحريم قال اللّه تعالى: «لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ لَوْ كانُوا آباءَهُمْ
المحجة