المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣٠٤
تشويشه أمّا الإعانة فلو تركتها إظهارا للغضب عليه في فسقه فلا بأس، و ليس يجب تركها إذ ربّما تكون لك نيّة في أن يتلطّف بإعانته و إظهار الشفقة عليه ليعتقد مودّتك و يقبل نصحك فهذا حسن، و إن لم ينتظر ذلك [١] و لكن رأيت أن تعينه على غرضه قضاء لحقّ إسلامه فذلك ليس بممنوع بل هو الأحسن إن كانت معصيته بالجناية على حقّك أو حقّ من يتعلّق بك فإنّ العفو عمّن ظلم و الإحسان إلى من أساء من أخلاق الصدّيقين و إنّما يحسن الإحسان إلى من ظلمك، فأمّا من ظلم غيرك و عصى اللّه به فلا يحسن الإحسان إليه لأنّ في الإحسان إلى الظالم إساءة إلى المظلوم و حقّ المظلوم أولى بالمراعاة و تقوية قلبه بالإعراض عن الظالم أحبّ إلى اللّه من تقوية قلب الظالم، فأمّا إذا كنت أنت المظلوم فالأحسن في حقّك العفو و الصفح، و طرق السلف قد اختلفت في إظهار البغض مع أهل المعاصي و كلّهم اتّفقوا على إظهار البغض على الظلمة و المبتدعة و كلّ من عصى اللّه بمعصية متعدّية منه إلى غيره، فأمّا من عصى اللّه في نفسه فمنهم من نظر بعين الرّحمة إلى العصاة كلّهم، و منهم من شدّد الإنكار و اختار المهاجرة و هذا أمر يختلف باختلاف النيّة و يختلف النيّة باختلاف الحال، فإن كان الغالب على القلب النظر إلى اضطرار الخلق و عجزهم و أنّهم مسخّرون لما قدّروا له أورث هذا تساهلا في المعاداة و البغض، و له وجه و لكن يلتبس به المداهنة فأكثر البواعث على الإغضاء [٢] على المعاصي المداهنة و مراعاة القلوب و الخوف من وحشتها و إنكارها، و قد يلبّس الشيطان ذلك على الغبيّ الأحمق بأن نظر بعين الرّحمة، و محك ذلك أن ينظر إليه بعين الرّحمة إن جنى على خاصّ حقّه و يقول:
إنّه قد سخّر له و القضاء و القدر لا ينفع منه الحذر و كيف لا يفعله و قد كتب عليه فمثل هذا قد يصحّ له الإغماض عن الجناية على حقّ اللّه، و إن كان يغتاظ عند الجناية على حقّه و يترحّم عند الجناية على حقّ اللّه فهو مداهن مغرور بمكيدة من مكايد الشيطان فليتنبّه له.
فإن قلت: فأقلّ الدّرجات في إظهار البغض الهجرة و الإعراض و قطع الرفق
[١] كذا و في الاحياء «و ان لم يظهر لك».
[٢] الاغضاء: الاغماض.
المحجة